خطابه في الأمم المتحدة كرس نظرته الأحادية للعلاقات الدولية

ترامب يخالف الإجماع حول القضايا العالمية

ترامب يخالف الإجماع حول القضايا العالمية
  • 995
م. مرشدي م. مرشدي

لم تكن الكلمة التي ألقاها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أمام الجمعية العامة الأممية إلا صبا للزيت على نار أوضاع عالمية متأججة بعد أن راح يعمّق من شرخ علاقات دولية مهزوزة بسبب سياسته الأحادية التي تبناها منذ توليه مقاليد البيت الأبيض قبل عام ونصف.

وذهبت مضامين خطابه إلى نقيض كل النداءات التي وجهها الأمين العام الأممي انطونيو غوتيريس لدى إشرافه على افتتاح أشغال الجمعية العامة في دورتها الثالثة والسبعين الذي انتقد أوضاعا عالمية لا تبعث على التفاؤل بسبب تنافر سياسات القوى الكبرى وصراعها المتواصل وتراجع العلاقات المتعددة الأطراف لصالح النزعة الأحادية.

وبدلا من أن يضع تصوراته لمستقبل العلاقات الدولية التي تعرف تحولات جذرية مع حلول الألفية الثالثة، مع ما ميّزها من توترات وحالة لا استقرار في كثير من مناطق العالم، تعمد الرئيس ترامب نقل صراع بلاده مع إيران، وموقفه من الأوضاع في سوريا، ووصولا إلى سوق النفط العالمية، مرورا بعلاقاته المتذبذبة مع روسيا والصين، أمام الجمعية العامة التي كان الحاضرون يتوقعون أن يكشف خلالها عن مقاربة أمريكية تراعي أهمية الحدث خدمة لمصالح المجموعة الدولية بدلا من تعميق خلافات أعضائها. وكان لابد أن يتحول منبر الأمم المتحدة وفق هذه المعطيات إلى ساحة لتبادل التهم بينه وبين الرئيس الإيراني حسن روحاني الذي حمّل في كلمته هو الآخر الرئيس ترامب كل المتاعب التي تعترض فرص تحقيق تجانس بين المجموعة الدولية لمواجهة مشاكلها.

ووقف المشاركون في أشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة على هذه الحقيقة عندما راح الرئيس الأمريكي أمس، يبحث عمن يؤيده في فرض عزلة اقتصادية ودبلوماسية ضد النظام الإيراني ودعا أعضاء مجلس الأمن الدولي إلى عقد اجتماع لتحقيق هذا المبتغى.

ولكن مسعاه قد يكرس عزلة الولايات المتحدة بدلا من إيران إذا سلمنا أن الدول الأوروبية التي يراهن عليها الرئيس الأمريكي لإنجاح خطته ضد إيران أبدت معارضة لمثل هذا المسعى، رافضة على الأقل إلى حد الآن الانصياع لخطته بعد أن قرر الانسحاب من جانب واحد من الاتفاق النووي مع إيران لعام 2015. ففي الوقت الذي قال فيه الرئيس ماكرون أن العقوبات ضد إيران ليست هي الحل، قالت الوزيرة الأولى البريطانية تريزا ماي من جهتها إن الاتفاق المتوصل إليه مع إيران يبقى الأمثل لتسوية هذا الملف الشائك.  وحاول الرئيس الأمريكي خلال اجتماع مجلس الأمن الدولي أمس، الذي دعا إليه بمناسبة اليوم العالمي لمنع الانتشار النووي، وضع إيران في قفص الاتهام والقول إنها دولة مارقة دفاعا عن موقف بلاده بالانسحاب من أهم اتفاق تحققه الدبلوماسية الدولية في السنوات الأخيرة قبل أن يأتي هو ليرهن كل حظ لتمريره.

وقد استشعر الرئيس الإيراني نية الرئيس الأمريكي وخلفيات دعوته مجلس الأمن الدولي للانعقاد مما جعله يقرر عقد ندوة صحفية مباشرة بعد انتهاء الاجتماع للرد على اتهامات الرئيس الأمريكي الذي يأمل في أن يحصل على تأييد من الدول المشاركة لعزل نظام وصفه بـ ”الديكتاتوري والمرتشي” ومنعه من امتلاك القنبلة الذرية.

واعتبر الرئيس روحاني مثل هذه الدعوة بمثابة محاولة انقلاب ضد نظامه من خلال فرض عقوبات اقتصادية  على بلاده وصفها بـ«الإرهاب الاقتصادي” رافضا الرضوخ لنية الرئيس الأمريكي في إعادة التفاوض حول الاتفاق النووي بشكل ثنائي وقال إن كل تفاوض يجب أن يتم في إطار الأمم المتحدة وفي الإطار المتعدد الأطراف الذي وقع فيه.

وهو طرح تؤيده دول حليفة للولايات المتحدة مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا ومعظم دول الاتحاد الأوروبي التي رأت في المسعى الأمريكي ضربا لمصداقيتها، وهي التي وقعت على الاتفاق النووي، بل وتهديدا لمصالحها الاقتصادية مع بلد بحجم إيران الذي يستقبل استثمارات شركاتها الضخمة، وهو أيضا أكبر ممون لها بمادة النفط الحيوية لاقتصادياتها.

وهو ما عكسه خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي قال في شبه رد على خطاب نظيره الأمريكي دون أن يسميه ”لا” لقانون الأقوى من أجل تسوية الأزمة الإيرانية، ضمن موقف صريح رفض عبره المنطق الأمريكي في التعاطي مع ملف النووي الإيراني. وقال ماكرون إن سعرا معقولا لبرميل النفط يستدعي السماح لإيران بيع نفطها لأن ذلك يبقى شيئا إيجابيا سواء للسلم العالمي أو لأسعار النفط. وتخشى الدول الأوروبية وكل القوى الصناعية أن تؤدي العقوبات الاقتصادية التي يريد الرئيس الأمريكي فرضها على إيران بداية من شهر نوفمبر القادم إلى ارتفاع جنوني لأسعار الخام ضمن توقعات أن يحمل الرئيس الإيراني مسؤوليتها المباشرة لنظيره الأمريكي.

وهو اتهام جاء ردا على الموقف السلبي الذي أبداها الرئيس ترامب ضد قرار منظمة الدول المصدرة للنفط ”أوبك” التي اتهمها بالتسبب في ارتفاع أسعار برميل النفط في الأسواق العالمية بعد قرارها تجميد الإنتاج خلال اجتماع الجزائر الأخير.

وهو اتهام استباقي اعتمده الرئيس الأمريكي من أجل التمهيد لإغراق السوق العالمية بالنفط الصخري الذي جعلت منه إداراته، ورقة لابتزاز الدول النفطية من خلال التلاعب بأسعار النفط التقليدي.