رغم أن مصلحة ليبيا تمر عبر "زواج سياسي" بينهما

الشرخ يزداد عمقا بين الزنتان ومصراتة

الشرخ يزداد عمقا بين الزنتان ومصراتة
  • 763
م/مرشدي م/مرشدي
كلما امتد عمر الأزمة الليبية إلا وبعد أفق حلها وتأكدت هشاشة سلطاتها التنفيذية والتشريعية في التحكم في وضع منفلت، وسط غياب كلي لأجهزتها الأمنية أو ما تبقّى منها.وتُجمع كل التقارير وتصريحات المسؤولين الليبيين أنفسهم، على أن الوضع في ليبيا التي مستها رياح "الربيع العربي" قبل أن تتحول إلى إعصار جارف، يسير بالسرعة القصوى باتجاه هاوية الانفلات التام والفوضى الشاملة، ومنها إلى الحرب المفتوحة.
وتتواصل حلقات هذا المسلسل في وقت غابت عقدة "القصة الليبية"، التي كثيرا ما تؤشر على النهاية المراد الوصول إليها في بلد ثار على نظامه، واستعصى على مخرجه إيجاد حبكة تؤدي إلى نهاية سعيدة. وأضحى الوضع الليبي ينذر بدلا عن ذلك، بكارثة تترصد الشعب الليبي وكل دول الجوار.
وهو الواقع الذي اعترفت به حكومة عبد الله الثني، التي فر أعضاؤها إلى مدينة طبرق بحثا عن الأمن، وأكدت أنها فقدت سيطرتها على الوضع في العاصمة طرابلس، وأن الهيئات الرسمية فيها ومؤسسات الدولة لم تعد تحت سلطتها.
وكان لتمكّن الميليشيات الإسلامية من بسط سيطرتها على مجمعات مختلف وزارات الحكومة الليبية، بمثابة القطرة التي أفاضت كأس الانفلات العام ومؤشرات التقسيم الحتمي لبلد يتنافس فيه الإسلاميون والعلمانيون في حلبة صراع ثيران، الغلبة فيها لمن يملك أكبر ترسانة حربية وأعز نفرا من الآخر.
وجاءت هذه التطورات لتزيد في عمق الأزمة السياسية والأمنية مع استحالة انعقاد البرلمان المنتخب نهاية جوان الماضي، وتشكيل حكومة جديدة، وزادها عمقا غياب أجهزة أمنية قادرة على ضمان الأجواء التي تمكّن من تطبيق برنامج الحكومة والبرلمان الانتقالي.
ويمكن القول إن تفكّك الجيش الليبي ومختلف أجهزته الأمنية الملحقة شكّل أكبر خطأ يقع فيه "الثوار"، الذين اعتقدوا مخطئين، أنهم بمجرد انهيار النظام السابق، يمكنهم بناء جيش جديد وفق العقيدة التي يريدون، ولكن الرهان خاب، وسقطت كل أوراقهم في الماء.
وكان لطغيان توجهاتهم الإيديولوجية وأهداف كل واحد منهم من ثورة وُلدت من رحم "ربيع عربي"، لتجد نفسها في خريف بدأت سحبه تزداد سوادا؛ تمهيدا لشتاء عاصف.
ويبدو أن الإسلاميين المنحدرين من قبائل مصراتة تمكنوا بعد استيلائهم على مطار طرابلس الدولي، من بسط سيطرتهم على هذه المدينة الاستراتيجية، وأرغموا قبائل الزنتان على الانسحاب، ومعهم الحكومة الانتقالية والبرلمان، إلى طبرق، ضمن عملية تقسيم ستتكرس بين من يسيطر على العاصمة طرابلس ومدينة بنغازي.
واعتراف عبد الله الثني بأن مليشيات "فجر ليبيا" المحسوبة على التيار الإسلامي، فرضت منطقها، وشلت عمل كل الوزارات، مانعة إياها من القيام بمهامها، في تصريح أقر بوجود مثل هذا الانقسام.
وكرّس مثل هذا الواقع ازدواجية السلطة بين الزنتان ومصراته، وأن حل الأزمة الليبية يمر حتما عبر توافق بينهما بعد أن تأكدت نزعتهما لقيادة ليبيا، ولكن لا أحد منهما تمكن من القضاء على طموحات الطرف الآخر بما يحتّم عليهما، بطريقة آلية، التوصل إلى تفاهمات بينهما؛ كون الحل يمر عبرهما؛ لأنهما أصبحا يشكلان كفّتي ميزان القوة السياسية والعسكرية؛ بما يحتّم عليهما البحث عن مصلحة ليبيا عبر "زواج سياسي" مفروض ينتهي بميلاد ليبيا جديدة.
وقد تبدو المعادلة صعبة في محصلتها، ولكنها تبقى أمرا لا مفر منه إن كان للفرقاء نية حقيقية لإقامة دولة ديمقراطية، والتجربة التونسية قد تكون نموذجا يُقتدى به، ويكفي فقط وضع الشحناء المتأججة بينهما جانبا، وطي صفحة الصراع، وفتح أخرى لتعاون أكثر إيجابية.