في احتفالات رسمية ذات بعد وطني لأول مرة
عقارب الساعة تضبط اليوم على تقويم العام الأمازيغي
- 967
مليكة.خ
يضبط الجزائريون منتصف ليلة اليوم عقارب ساعتهم على تقويم العام الأمازيغي الجديد الذي يحل علينا هذه السنة بعد اعتماده بشكل رسمي يوما وطنيا وعطلة مدفوعة الأجر، ضمن خطوة عملاقة لإعادة الاعتبار لهذا اليوم وكمبادرة تعد الأولى من نوعها على مستوى شمال إفريقيا، التي تغترف من طبق الأصالة الامازيغية العريقة والثرية بعاداتها وثقافاتها المتنوعة.
لن يكون الاحتفال بهذه المناسبة مجرد محطة عابرة تضاف إلى أجندة العطل الوطنية، كونها كانت حاضرة بشكل رمزي منذ عقود من الزمن بعد أن دأبت العديد من وسائل الإعلام الوطنية منذ سنوات على نقل عادات العائلات الجزائرية التي احتفظت بشعيرة الاحتفاء بيناير،باعتباره موروثا تاريخيا يعكس خصوصية المجتمع الجزائري بأكمله.
غير أن الاحتفاء بيناير هذه السنة يكتسي خصوصية هامة من خلال تنظيم احتفالات بطابع رسمي عبر كافة ربوع الوطن، علما أن تحضيرات هذه المناسبة بدأت منذ إعلان رئيس الجمهورية إقرار يوم 12 يناير عطلة مدفوعة الأجر، خلال مجلس الوزراء المنعقد يوم 27 ديسمبر الماضي.
وبلا شك، فإن هذا القرار الذي فأجا الجميع قد أضفى المصداقية على جهود الدولة ليس فقط من أجل الارتقاء بتعميم تعليم واستعمال اللغة الأمازيغية وإنما أيضا بإعطاء بعد جديد للهوية الوطنية التي تعد «تمازيغت» جزءا من هذا المكون الذي توارثته الأجيال عبر مراحل التاريخ.
ويمكن القول إن قرار جعل 12 يناير عطلة مدفوعة الأجر قد أخرس بعض الأطراف التي كانت تحاول استغلال الورقة الأمازيغية في المزايدات السياسوية، من خلال محاولة زرع الشكوك حول إمكانية تراجع الدولة عن الارتقاء باللغة الأمازيغية، ومن ثم دفع النشطاء والمدافعين عن «تمازيغت» للخروج إلى الشارع، في محاولة لتكرار أحداث الربيع الأمازيغي في 2001، والتي كانت منطلقاتها اجتماعية بحتة، أشعلت فتيلها وفاة الشاب ماسينيسا قرماح إثر مناوشات مع أحد عناصر الدرك الوطني، لكن سرعان ما أفشلت الإجراءات التي اتخذتها الدولة بعد فتح حوار مع تنسيقية العروش، محاولات المتربصين، لاسيما بعدما تم الاتفاق على تهدئة الأوضاع وعودة الأمور إلى أوضاعها الطبيعية.
بذلك يكون إقرار 12 يناير يوما مدفوع الأجر قد أحرج محاولي الاصطياد في المياه العكرة، الذين لم يكونوا يتصورون بأن المضي في ترقية الأمازيغية سيأخذ هذا البعد، رغم أن التعديل الدستوري لـ 2016، قد حسم هذه المسألة بجعلها لغة وطنية ورسمية، فضلا عن قرار إنشاء الأكاديمية الجزائرية للغة الأمازيغية تابعة لرئاسة الجمهورية. وبغض النظر عن الترحيب الكبير الذي لقيه قرار الاحتفاء بيناير على المستوى الوطني، إلا أنه يمكن القول بأن هذه الخطوة ستحسب لا محالة لرئيس الجمهورية على المستوى الدولي، في وقت تعكف المنظمات الدولية على إصدار تقارير دورية حول أوضاع حقوق الإنسان ومدى احترام الثقافات المتنوعة والاستجابة لمطالب الأقليات ، فمثل هذا الإجراء الذي سبقته قرارات مرحلية للارتقاء بتمازيغت من شأنها أن تعزز حتما رصيد الجزائر في هذا الجانب.
كما تتجلى الإرادة الحقيقية للدولة لتخصيص هذا اليوم الاحتفائي مكانته الخاصة في طبعته الأولى، بإصدارها تعليمات للدوائر الوزارية من أجل الإشراف على هذه الاحتفالات، من خلال تنقل الوزراء إلى مختلف ولايات الوطن، مما يعد رسالة واضحة على حرص الدولة لإيلاء الملف «الأمازيغي» أهمية خاصة على أعلى المستويات. ويكفي أن نستدل في هذا الصدد بإصدار وزارة الداخلية أمس، لأول مرة بيان رسمي باللغة الأمازيغية تجسيدا لهذه التعليمات.
وبذلك سيكون الجزائريون اليوم على موعد مع أطباق تتنوع بين «الكسكسي» و«المردود» و «أبيصار» و «المشوشة» و «البغرير»، إذ تعكف النساء بهذه المناسبة على إخراج ما نسميه بالعامية «العولة» التي تم تخزينها لشهور مثل الفواكه المجففة فضلا عن «التريز» الذي يضم مختلف المكسرات والحلويات. وبالنسبة للرجال هو يوم لعام فلاحي جديد وكثيرا ما يستبشرون بقدومه باعتباره فال خير لسنة مليئة بالخيرات وغلات أرض معطاء سماها الرومانيون المحتلون منذ قرون غابرة بـ«خزان روما» الذي لا ينضب من القمح والشعير، في وقت تمسك الجزائريون بأرضهم وخاضوا معهم معارك طاحنة أعادتهم إلى إدراجهم. ولأن فاتح العام 2863 صادف يوم جمعة، فإن المحتفلين سيكون لديهم متسع من الوقت للتفنن في إحياء هذه المناسبة التي لا تأبى الاندثار عبر طقوس توارثوها جيلا عن جيل.