قال إنّ الجزائر تخوض "معركة النور" لسد الفجوة.. سليماني لـ"المساء":
صياغة واقع اقتصادي وأمني جديد بمنطقة الساحل
- 177
حنان. ح
وصف الخبير الاقتصادي عبد القادر سليماني تدشين محطة كهرباء جزائرية في النيجر وإطلاق أشغال محطة مماثلة في تشاد، بـ«الحدثين المفصليين"، مؤكدا أنه لا يمكن تصنيف مثل هذه المشاريع في خانة "المساعدات التقنية" فحسب، بل خطوة تعكس توجها جيوسياسيا جديدا نحو "الارتباط العضوي" بدول الساحل، حيث تسعى الجزائر إلى صياغة واقع اقتصادي وأمني جديد.
في قراءة للأبعاد الاستراتيجية التي تحيط بعمليتي وضع حجر الأساس لإنجاز محطة توليد الكهرباء في تشاد وانطلاق تشغيل محطة كهرباء نيامي في النيجر منذ أيام، قال الخبير سليماني، أمس، في تصريح لـ«المساء"، إنّ التحرك الجزائري في هذا التوقيت وبالتحديد في قطاع الكهرباء يحمل دلالات استراتيجية عميقة.
وركز في المقام الأول على تكريس مبدأ "الأمن التنموي"، موضحا أن الجزائر مقتنعة بأن استقرار منطقة الساحل لا يمر عبر المقاربات العسكرية فقط، بل كذلك عبر سد "فجوة التنمية" الذي لا يتم إلا بتوفير الكهرباء لتشغيل المصانع، تحسين الصحة، وتوفير بدائل اقتصادية للشباب بعيدا عن شبكات التهريب والجماعات المسلحة. وفي المقام الثاني، تحدث الخبير عن مبدأ تعزيز "السيادة الطاقوية" الذي يتجسّد من خلال نقل التكنولوجيا والخبرة (عبر مجمع سونلغاز)، حيث تساهم الجزائر في تقليل تبعية هذه الدول للمشاريع الغربية المكلفة أو المشروطة سياسيا، مما يخلق كتلة إفريقية أكثر تماسكا واستقلالية.
على صعيد آخر، يمثل الاندماج الاقتصادي القاري، أحد أهم هذه الأبعاد، وفق سليماني، الذي اعتبر هذه المشاريع اللبنات الأولى لمشروع "الشبكة الإفريقية الموحدة"، موضحا أن ربط النيجر وتشاد تقنيا بالمعايير الجزائرية، يمهد الطريق لمشاريع أضخم مثل أنبوب الغاز العابر للصحراء والطريق العابر للصحراء، من باب أن الطاقة هي المحرك الأساسي لهذه الشرايين. واستعان سليماني في تحليله ببعض الأرقام التي تعكس أهمية هذه المشاريع في مواجهة العجز الطاقوي الحاد بهاذين البلدين اللذين يسجلان معدلات وصول للكهرباء تعد من بين الأدنى عالميا (تتراوح في المناطق الريفية بين 5% إلى 15% فقط).
من جهة أخرى، أبرز الخبير سليماني، أهمية المشروعين من حيث خفض تكلفة الإنتاج، لافتا إلى أن هذه الدول تعتمد غالبا على مولدات الديزل المكلفة والملوثة، فيما تعتمد المحطات التي تشرف عليها الجزائر تقنيات حديثة تضمن استمرارية الخدمة بأقل التكاليف، مما ينعكس على انخفاض فاتورة الاستهلاك للمواطن والمؤسسات. فضلا عن ذلك، يعزز المشروعان البنية التحتية الحيوية، حيث تعد الكهرباء العصب الذي سيسمح بتشغيل مضخات المياه في مناطق الجفاف وتبريد الأدوية في المراكز الصحية النائية وتأمين التغطية الرقمية والتعليمية.
وانطلاقا من هذه المعطيات، أوضح الخبير أن هذه التحركات يمكن اختزالها ضمن مفاهيم القوة الإقليمية المعاصرة القائمة على مفهوم "الجيو-طاقة"، الذي يعتمد على استخدام موارد الطاقة كأداة لإعادة رسم الخرائط السياسية وبناء تحالفات متينة مبنية على المصالح المشتركة، "الاندماج جنوب-جنوب" الذي يعد تجسيدا فعليا لتعاون إفريقي-إفريقي يتجاوز العقدة الاستعمارية، فضلا عن "الريادة التقنية" التي تظهر في تأكيد تفوق مجمّع "سونلغاز" كذراع تقني إقليمي قادر على تنفيذ مشاريع كبرى في بيئات جغرافية ومناخية صعبة، مما يفتح الأبواب أمام تصدير الخدمات والخبرات الجزائرية لبقية دول القارة. من هنا، أكد سليماني أن الحدثين يعتبران بمثابة إعلان جزائري صريح بأن "معركة النور" في إفريقيا قد بدأت، وأن الجزائر قرّرت أن تكون المحرك والمموّل والمهندس لهذه النهضة الطاقوية في عمقها الاستراتيجي.