جعل من الدبلوماسية امتداداً للثورة
المجاهد الشهيد محمد الصديق بن يحي...مسار ملهم لرجل الرؤية الجامعة
- 179
بقلم: المجاهد صالح قوجيل
في الثالث من ماي المنصرم، عاد ككل عام اسم محمد الصديق بن يحيى ليطرق أبواب الذاكرة الوطنية بقوة لا يملكها إلا الرجال الذين تجاوزوا حدود الزمن وأصبحوا جزءاً من تاريخ الأمم.
أكتب في ذكرى رحيل بطولي لرفيق نضال، عن رجل دولة استثنائي، وعن دبلوماسي حمل اسم الجزائر إلى أعلى المنابر الدولية، وعن إنسان عرفته عن قرب في لحظات النجاح كما عرفته في لحظات المحنة.
و كلما هممت بالكتابة عنه، وجدتني أمام قامة أكبر من أن يحيط بها مقال، وأمام سيرة أوسع من أن تختزلها ذكرى، وأمام رجل لم يعد ملكاً لجيله فقط، بل أصبح جزءاً من الذاكرة الجماعية للأمة الجزائرية.
بعض الرجال لا تستوعبهم التواريخ.
يأتي يوم رحيلهم ليذكرنا بهم، لكن حضورهم الحقيقي يظل ممتداً في الزمن، حياً في المؤسسات التي ساهموا في بنائها، وفي المبادئ التي دافعوا عنها، وفي الأثر الذي تركوه في وطنهم وفي العالم.
ومن هذا الطراز كان محمد الصديق بن يحيى.
فهو ليس مجرد وزير خارجية طبع مرحلة من تاريخ الجزائر الحديث، ولا مجرد مفاوض بارع نجح في أصعب الملفات الدولية، ولا مجرد مجاهد التحق مبكراً بصفوف الثورة التحريرية.
إنه واحد من أولئك الرجال الذين صنعوا لأنفسهم مكانة خاصة في تاريخ الجزائر، لأنهم جعلوا من حياتهم كلها مشروعاً لخدمة الوطن.
وعندما نستحضر ذكرى استشهاده في الثالث من ماي 1982، فإننا لا نستحضر حادثة أليمة فحسب، بل نستحضر مسيرة كاملة من الكفاح والعطاء والإخلاص، ونستحضر جيلاً من الرجال الذين حملوا الجزائر في قلوبهم حتى آخر لحظة من حياتهم.
وأقولها كشاهد عرف الرجل وعمل معه وتقاسم معه مسؤولية بناء الدولة والدفاع عن مصالحها: إن الحديث عن محمد الصديق بن يحيى ليس استعادةً للماضي، بل هو حديث عن قيم ما تزال الجزائر في حاجة إليها اليوم أكثر من أي وقت مضى؛ قيم الوطنية، والاستقامة، والوفاء للدولة، واستقلال القرار، والإيمان بأن الجزائر تستطيع أن تكون قوية بمبادئها قبل أي شيء آخر.
وعندما أستعيد صورته اليوم، فإن أول ما يتبادر إلى ذهني هو ذلك التلازم النادر بين صفاء المناضل، وحكمة السياسي، وبعد نظر رجل الدولة، وحنكة الدبلوماسي.
كان من أبناء نوفمبر الأوفياء، ومن أولئك الشباب الذين آمنوا مبكراً بأن العلم والمعرفة لا يكتمل معناهما إلا عندما يوضعان في خدمة الوطن.
في صفوف الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين برز اسمه كأحد القيادات الطلابية الشابة التي ساهمت في تأطير الحركة الطلابية الوطنية، وتحويل الجامعة الجزائرية إلى فضاء للنضال الوطني بقدر ما كانت فضاء للتحصيل العلمي.
ولم يكن الاتحاد يومها مجرد تنظيم طلابي، بل كان مدرسة وطنية حقيقية تخرج منها العديد من إطارات الثورة والدولة...ومنذ تلك المرحلة المبكرة، ظهرت فيه خصلة سترافقه طوال حياته؛ القدرة على جمع الجزائريين حول الأهداف الكبرى وتغليب المصلحة الوطنية على كل اعتبار آخر...ثم لبى نداء التاسع عشر ماي 1956، يوم قررت نخبة الجزائر أن تغادر مقاعد الدراسة لتلتحق بمدرسة أكبر وأعظم اسمها ثورة نوفمبر 1954.
فهناك تشكل وعيه السياسي، وبرزت مواهبه الاستثنائية في الحوار والتنظيم والتفاوض، ولم يكن غريباً أن يحظى بثقة قيادة الثورة وأن يكون ضمن الوفد الجزائري الذي شارك في مفاوضات إيفيان، تلك المحطة التاريخية التي انتقلت فيها الثورة من ميدان المواجهة إلى ميدان تثبيت مكاسب النصر واسترجاع السيادة الوطنية... فحضور محمد الصديق بن يحيى في مسار التفاوض لم يكن مجرد حضور تقني أو بروتوكولي، بل كان امتداداً لمسار طويل من الالتزام بمبادئ الثورة وثوابتها.
وأستحضر هنا محطة ذات دلالة خاصة في مسيرته النضالية، عندما شارك رفقة الشهيد أحمد بومنجل في لقاء مولان مع السلطات الفرنسية. يومها حاولت الإدارة الاستعمارية أن تفتح ثغرات في جدار الوحدة الوطنية وأن تدفع ببعض الأطراف إلى مسارات جانبية تمس بشرعية جبهة التحرير الوطني ووحدة تمثيلها للشعب الجزائري.
لكن محمد الصديق بن يحيى رفض، منذ تلك المرحلة المبكرة، أي مقاربة تقوم على تجزئة القضية الجزائرية أو الالتفاف على مرجعية الثورة. وعندما اتضح له ولرفيقه أحمد بومنجل أن اللقاء يراد له أن يتحول إلى أداة للمناورة السياسية وشق الصف الوطني، انسحبا منه بكل وضوح، مؤكدين أن الثورة الجزائرية لا تفاوض إلا وهي موحدة، ولا تتحدث إلا بصوت واحد.
وقد بقي هذا الموقف راسخاً في شخصيته طوال حياته. ولذلك عندما انتقل بعد سنوات إلى مفاوضات إيفيان، لم يذهب بعقلية الباحث عن تسوية بأي ثمن، بل بعقلية المناضل المؤمن بأن التفاوض الحقيقي هو الذي يحفظ وحدة الثورة ويصون السيادة الوطنية ويترجم تضحيات الشهداء إلى مكاسب سياسية ثابتة.
ومن عرف محمد الصديق بن يحيى عن قرب، يدرك أن قوة الرجل لم تكن في قدرته على التفاوض فحسب، بل في وضوح الخطوط التي لا يقبل تجاوزها... لقد كان مرناً في الأسلوب، لكنه ثابت في المبادئ. وكان مستعداً للحوار مع الجميع، لكنه لم يكن مستعداً أبداً للمساومة على وحدة الجزائر أو على شرعية ثورتها.
ومنذ تلك المرحلة برز فيه ما سيصبح لاحقاً إحدى أبرز خصاله: الإيمان العميق بالجزائر المستقلة صاحبة القرار الحر، الجزائر التي لا تتبع أحداً ولا تخضع إلا لمصالح شعبها ومبادئ ثورتها... فقد تولى العيديد من المسؤوليات خلال مرحلة الثورة الجزائرية وفي مختلف المستويات في الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية في مرحلة دقيقة من تاريخ الثورة، ويبقى دوره فاعلا كواحد من الذين شاركوا في صياغة مواثيقها وقرارتها المختلفة ( ميثاق طرابلس 1962)... ثم واصل أداء مسؤولياته في الدولة المستقلة بروح المناضل ذاته.
وبعد الاستقلال، انتقل من معركة التحرير إلى معركة البناء.
فحمل اسم الجزائر سفيراً في موسكو خلال واحدة من أكثر فترات الحرب الباردة تعقيداً، فكان من الوجوه التي جسدت استقلالية السياسة الخارجية الجزائرية وقدرتها على إقامة علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية دون التفريط في استقلال القرار الوطني.
ثم تولى حقيبة الإعلام والثقافة، حيث ارتبط اسمه بإحدى أكثر المبادرات إشعاعاً في تاريخ الجزائر المستقلة، عندما كان من أبرز مهندسي المهرجان الثقافي الإفريقي سنة 1969.
ولم يكن ذلك الحدث مجرد تظاهرة ثقافية، بل كان إعلاناً حضارياً بأن الجزائر التي انتصرت في معركة التحرير قررت أن تكون أيضاً عاصمة للتحرر الثقافي الإفريقي ومنبراً لأصوات القارة ومثقفيها ومناضليها.
كما تولى مسؤولية التعليم العالي في مرحلة مفصلية من تاريخ الجامعة الجزائرية.
ولم يقتصر دوره على تطوير الهياكل والمؤسسات الجامعية، بل امتد إلى إعادة تنظيم البيت الطلابي نفسه.
فقد كان من المؤمنين بأن الجامعة لا تؤدي رسالتها كاملة إلا في ظل حركة طلابية موحدة وقادرة على الإسهام في بناء الدولة الوطنية.
ومن هذا المنطلق، كان دوره هو الأبرز في الجهود التي أفضت سنة 1975 إلى توحيد التنظيمات الشبانية الطلابية الجزائرية داخل إطار الاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية، واضعاً بذلك حداً للحالة التي عرفتها الساحتين الشبانية والطلابية ، ومؤسساً لمرحلة جديدة قوامها وحدة الصف الشباني الطلابي وخدمة المشروع الوطني.
وعندما ننظر إلى هذه المحطات مجتمعة، ندرك أننا لا نتحدث عن مسؤول تقلد مناصب متعددة، بل عن رجل شارك في بناء الدولة الجزائرية في الجامعة والثقافة والدبلوماسية والسياسة على حد سواء، قبل أن يتولى لاحقاً حقيبة الشؤون الخارجية ويصبح أحد أبرز وجوه الدبلوماسية الجزائرية في العالم.
ولذلك اكتسبت الجزائر في تلك المرحلة احترام العالم.
احتراماً لم يكن قائماً على النفوذ أو القوة العسكرية، بل على الثقة التي كانت تحظى بها لدى الجميع.
لقد كانت الجزائر تتحدث فيستمع إليها العالم، لأنها كانت تقول ما تفعل وتفعل ما تقول.
وكان محمد الصديق بن يحيى أحد أبرز صناع تلك المكانة الدولية المرموقة.
ولعل التاريخ سيظل يحتفظ له بأحد أعظم الإنجازات الدبلوماسية في العصر الحديث، حين نجحت الجزائر في التوسط بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية لإنهاء أزمة الرهائن الأمريكيين سنة 1981.
وأذكر هنا واقعة عشت تفاصيلها بحكم مسؤوليتي وزيراً للنقل آنذاك... فعندما كانت ترتيبات إنهاء أزمة الرهائن الأمريكية تدخل مراحلها الأخيرة، اقترحتُ أن يتم نقل الرهائن من طهران إلى الجزائر على متن طائرة تابعة للخطوط الجوية الجزائرية.
وقد وجد هذا الاقتراح دعماً كاملاً من الأخ محمد الصديق بن يحيى الذي كان يدرك، كما كنت أدرك، أن الأمر لا يتعلق بمجرد وسيلة نقل، بل برمز سياسي ودبلوماسي بالغ الدلالة.
كنا نريد أن يرى العالم أن الضمانة الجزائرية لم تكن مجرد توقيع على وثيقة أو دور وساطة من بعيد، بل كانت حاضرة في أدق تفاصيل العملية. ولذلك أصبحت الطائرة الجزائرية يومها جزءاً من الصورة التاريخية التي وثقت نجاح الجزائر في بناء جسر الثقة بين واشنطن وطهران.
يومها عجزت قوى كبرى عن إيجاد الحل، بينما نجحت الجزائر في فتح أبواب الحوار وإعادة بناء الثقة بين طرفين كانا يبدوان بعيدين عن أي اتفاق...أتذكر اليوم كيف سارعت واشنطن إلى توشيح طاقم الطائرة التي أقلّت الرهائن الأمريكيين وكيف أبدت سهولة غير محدودة من أجل توفير ثلاث طائرات من طراز بيونغ 730 وطائرة واحدة من طراز بوينغ 747 للجزائر، بشروط ميسّرة وتبقى زيارة مسؤولي شركة بيونغ الامريكية و إغزيم بنك للجزائر آنذاك أكبر دليل على النجاح والاحترام الجمعي الأمريكي الذي أثمرته حلحلة قضية الرهائن الأمريكان، حتى أن الأمريكيين اقترحوا عليّ آنذاك كوزير للنقل الترخيص بفتح خط جوي بين الجزائر ونيويرك.
فلم يكن ذلك النجاح وليد الصدفة، بل كان ثمرة مدرسة كاملة في العمل الدبلوماسي، وكان محمد الصديق بن يحيى أحد أبرز مهندسيها.
لقد أثبتت الجزائر آنذاك أن النفوذ الحقيقي لا يصنعه امتلاك القوة فقط، وإنما تصنعه المصداقية والاحترام والقدرة على بناء الجسور بين المتخاصمين.
غير أن ما كان يثير إعجابي في الرجل أكثر من نجاحاته الدبلوماسية، هو إنسانيته العميقة وإحساسه العالي بالمسؤولية الوطنية.
وأستحضر هنا حادثة لا تزال حاضرة في ذاكرتي رغم مرور السنين.
فقد تعرض محمد الصديق بن يحيى لحادث طائرة في مالي، وكانت إصاباته يومها بالغة.
وعندما تنقلت للاطمئنان عليه بصفتي وزيراً للنقل آنذاك، كنت أتوقع أن أجده منشغلاً بحالته الصحية أو بتداعيات الحادث.
لكنني وجدت رجلاً يفكر في شيء آخر تماماً.
كان يفكر في مالي.
وكان يفكر في العلاقات الأخوية التي تربط الجزائر بهذا البلد الشقيق.
يومها تحدث معي مطولاً، وأوصاني بمتابعة التحقيق في الحادث بكل جدية ومسؤولية، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة الحفاظ على علاقات الأخوة والصداقة التي تجمع الجزائر ومالي...لقد كان يخشى من غلق مطار باماكو لعدم توفّره على الاشتراطات اللازمة للملاحة الجوية الىمنة
فلقد كان خارجاً لتوه من تجربة قاسية كادت تودي بحياته، ومع ذلك لم يكن يفكر في نفسه بقدر ما كان يفكر في مصلحة بلده وفي مستقبل علاقاته مع الأشقاء.
عندها أدركت مرة أخرى أن محمد الصديق بن يحيى لم يكن يحمل الدبلوماسية في موقعه الوزاري فقط، بل كان يحملها في وجدانه وفي سلوكه وفي نظرته إلى العالم.