المحلّل السياسي زبير سلطاني لـ"المساء":

الفضاء الرقمي يفرض إعادة تشكيل الخطاب الانتخابي

الفضاء الرقمي يفرض إعادة تشكيل الخطاب الانتخابي
  • 152
حنان س حنان س

أكد المحلل السياسي زبير سلطاني أن الحملة الانتخابية لتشريعيات 2 جويلية تشهد تحوّلا رقميا لافتا، بعد أن انتقل التنافس من الساحات التقليدية إلى شاشات الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي، مشيرا إلى أن ذلك أدى إلى تبسيط الخطاب السياسي والتركيز على المظهر والكاريزما من خلال مقاطع فيديو قصيرة على حساب البرامج السياسية والإقتصادية المعمقة، ما يطرح، حسبه، تحديات تتعلق بمصداقية المترشحين وقيمة برامجهم الانتخابية.

❊ ظلت الحملات الانتخابية تعتمد على اللقاء المباشر بين المترشح والناخب، لماذا نرى اليوم صعوبة بالغة في هذا التواصل؟

❊  لطالما كانت الحملات الانتخابية الساحة الأبرز التي تتصادم فيها الرؤى والأفكار لمحاولة كسب ثقة الناخبين، ومع التطوّر التكنولوجي المتسارع انتقلت ساحة المعركة من الفضاءات العامة إلى شاشات الهواتف الذكية، وهذا ناتج عن 3 عوامل رئيسية، أولها عزوف الناخبين، حيث بات المواطن المعاصر مثقلا بهمومه اليومية وفقد جزءا كبيرا من شغفه بالاستماع للخطابات السياسية الطويلة. أما العامل الثاني فيتعلق بالوتيرة السريعة للحياة، حيث لم يعد من السهل توقيف المارة في الشوارع أو إقناعهم بحضور تجمّع شعبي يستغرق ساعات. وثالثا، تراجع الثقة.. فالوعود المتكررة وغير المنجزة جعلت لغة الجسد والخطابات الرنانة تفقد بريقها وتأثيرها. وأمام هذا الجدار، وجدت الحملات الانتخابية في الفضاء الرقمي منفذا وبديلا مثاليا للوصول إلى المواطن.

❊ كيف غيّرت منصّات التواصل قواعد اللعبة في الحملة الانتخابية الجارية؟

❊ من خلال تحويل المترشح السياسي من صاحب مشروع إلى “منتج استهلاكي” يجب تغليفه بأبهى حلة لتسويقه سريعا، كون المنصّات الرقمية تعتمد على خوارزميات الانتباه التي تكافئ المحتوى السريع والجذاب بصريا. لكن هذا الأمر أدى إلى ظاهرة خطيرة، حيث أصبحت الحملات تُدار بعقلية وكالات الإعلانات التجارية، وخطورتها تتجلى في اختزال البرامج من خلال تحويل الخطط الاقتصادية والبرامج السياسية المعقدة إلى مجرد شعارات قصيرة أو مقاطع فيديو لا تتجاوز ثواني معدودات. وهناك أيضا صناعة النجومية، حيث أصبح التركيز على كاريزما المترشح، من خلال طريقة ملابسه والموسيقى المرافقة لظهوره، بدلا مما يقترحه من حلول عملية لأزمات المجتمع. وهناك أيضا التفاعل الوهمي إذ أصبحت الحملات تقيس نجاحها بعدد الإعجابات، حتى وإن كان لا يعكس أي وعي بالبرنامج الانتخابي، ولذلك لم نعد أمام سياسي يطرح مشروعا لخدمة المجتمع، بل أمام سلعة سياسية يتم ترويجها وتغليفها بشكل جذاب لتناسب شاشات الهواتف وسرعة تصفح المستخدمين.

❊ ما هي أبرز الممارسات التي تطرح تساؤلات أخلاقية اليوم؟

❊  هناك خطورة استعمال الذكاء الاصطناعي، عبر إدخالنا في وهم الصورة وتزييف الواقع عبر ممارسات مصطنعة، منها تغيير الملامح لخلق صورة ذهنية غير حقيقية تخدع الناخب اللاواعي. كما يمكن استخدام التقنية لوضع المترشح في بيئات مصطنعة، كأن يظهر محاطا بحشود وهمية ضخمة، أو في مواقع مشاريع لم تُنجز قط، لإعطاء انطباع زائف بشعبيته وإنجازاته. كما قد يستخدم التزييف العميق لاختلاق صور ومقاطع تظهر المنافسين في مواقف محرجة أو وهمية لضرب مصداقيتهم. وقد أصبحت الدعاية المضللة وتقنيات فبركة الذكاء الاصطناعي أحد أخطر أدوات التعاملات الحديثة، فهي تصنف ضمن أدوات الحروب من الجيل السادس، حيث تستهدف هندسة الإدراك وتوجيه الرأي العام. ولمواجهة هذا التحدي، يتطلب الأمر تبني استراتيجية دفاعية متعددة الطبقات تدمج بين الوعي التحليلي والفحص التقني، واليقظة الاستراتيجية. 

❊ أصبح الفضاء الرقمي واقعا مفروضا، فكيف يمكن توظيفه بشكل ذكي لإدارة حملة انتخابية هادفة؟ 

❊ ينبغي السعي إلى استخدام هذه التقنية بشكل إيجابي وأخلاقي، وتبني الشفافية والوضوح من خلال كشف هوية المحتوى المصنوع جزئيا أو كليا بالذكاء الاصطناعي للجمهور، وتجنب التزييف العميق، مع الاعتماد على التواصل المباشر من أجل إيصال الصورة الصحيحة والبرنامج الحقيقي وكذا صياغة رسائل تلبي احتياجات المواطنين الحقيقية وترجمة البرنامج الانتخابي للهجات متعدّدة للوصول إلى كل الفئات، والأهم التحليل الذكي عبر فهم اهتمامات الشارع وصياغة حلول واقعية بناء على البيانات الدقيقة.