تشريعيات 2 جويلية.. عهد جديد مع أخلقة العمل السياسي
الحدّ من تغوّل المال والممارسات المشبوهة
- 169
مليكة. خ
لا تعد الانتخابات التشريعية المزمع تنظيمها اليوم، مجرد محطة لتعزيز المسار السياسي والمؤسساتي للبلاد، بقدر ما هي رسالة لإرساء ركائز الشفافية وأخلقة العمل السياسي لوضع قطيعة مع المال الفاسد، والذي كان أبرز سمات العهدات النيابية خلال فترة الحكم البائد، ما جعل رئيس الجمهورية يباشر بعد انتخابه رئيسا للبلاد في فتح ورشة لإصلاح النظام الانتخابي لوضع حدّ للتغوّل المال وتغلغله في دواليب المجال السياسي.
ساهمت حملات تطهير الانتخابات من المال الفاسد عبر المادة 200 من قانون الانتخابات، التي تم تطبيقها بصرامة، في الإطاحة بعديد المترشحين ومنع أصحاب النفوذ المالي والصلات المشبوهة من شراء الأصوات والتأثير على العملية الانتخابية، وبالتالي إرساء الشفافية وتكافؤ الفرص وحماية الإرادة الشعبية من أي تأثيرات مشبوهة، عبر إرساء قواعد لضبط تمويل الحملات الانتخابية، تجسيدا لإرادة سياسية صادقة وقوية في أخلقة الحياة السياسية.
وحرصت الدولة على أن يستند أي قرار رفض إلى سند قانوني واضح، مع التشديد على منع أي إقصاء تعسفي وإلزام الإدارة باحترام الحياد التام في معالجة ملفات الترشح مع إبقاء كلمة الفصل للسلطة القضائية في حال النزاع، حيث شملت الإقصاءات منتخبين حاليين وسابقين، من بينهم نواب في البرلمان ورؤساء بلديات ومجالس ولائية.
ولطالما شكل الفصل بين السياسة والمال تحديا للدولة لتفادي أخطاء الماضي، خاصة بعد تسجيل عديد قضايا الفساد خلال فترة الماضية، حيث أصدر رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون في هذا الصدد توجيهات حازمة لتكريس مبادئ الشفافية والنزاهة، من خلال اعتماد نصوص قانونية تتصدى لأي عملية اختراق للعملية الانتخابية، قناعة منه بأن أن أخلقة الحياة السياسية تبدأ من تجفيف منابع تمويل الحملات الانتخابية بطرق غير شرعية. وكان الرئيس تبون قد طمأن المعنيين بالاستحقاق بتوفر كل الظروف لضمان نزاهة الانتخابات، مزيحا بذلك كل تخوّف من وجود تداخل بين الصلاحيات بين السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات ووزارة الداخلية، مبرزا في هذا الإطار حرص الدولة على تفادي أي شبهات قد تمس بنزاهة العملية الانتخابية.
وبلا شك، فإن تطمينات القاضي الأول في البلاد نابعة من مزايا المسار الانتخابي الناجح الذي أرساه عبر سلسلة الإصلاحات التي اعتمدها منذ عهدته الأولى، خاصة ما تعلق بالقواعد الصارمة التي يقرها القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات، لتحديد وضبط مصادر تمويل الحملة الانتخابية وكيفيات إنفاقها، حيث تحدد المادة 87 الموارد المالية والمادية التي يسمح للمترشحين استخدامها لتمويل حملاتهم. وبقدر ما يبرز اهتمام الدولة باستحداث إطار جديد بعيد عن شبهة المال باعتبارها أولوية وطنية، فقد انصب التركيز أيضا على فرض الكفاءة العلمية للمترشحين حتى يقدموا إضافة في المجالس المنتخبة، مع تشديد التحقيقات حول متصدري القوائم الانتخابية، كونها المراتب المعنية بعمليات شراء الذمم.
ومن التغييرات المهمة التي أدخلت في العملية الانتخابية إسقاط "نظام المحاصصة" الذي فرضه القانون السابق منذ 2012 لصالح النساء، مكتفيا بتخصيص ثلثها على الأقل للأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 35 سنة تحت طائلة عدم قبول القوائم، فضلا عن أن يكون ثلث مترشحي القائمة على الأقل من مستوى تعليمي جامعي، بالنسبة للبرلمان والمجالس المحلية على السواء.
يأتي ذلك في الوقت الذي يحرص فيه رئيس الجمهورية على تمكين الشباب وتشجيع حضوره في البرلمان عبر إجراءات تنظيمية وقانونية صارمة، أبرزها اشتراط تخصيص نسبة مهمة من القوائم الانتخابية لهم وإلزامية حيازة نسبة كبيرة من المترشحين على مستوى جامعي لضمان تمثيل كفء وفعّال، ما يفسح المجال أكثر لتكريس مبادئ أخلقة الحياة السياسية المنشودة والارتقاء بها.