بعد استنفاذ هوامش المرونة مع القوى الدخيلة في الساحل
الجيش يتحرّك لتأمين العمق الاستراتيجي للجزائر
- 241
مليكة. خ
لم يكن تصويت البرلمان بغرفتيه على قرار يجيز إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى جمهورية النيجر، سوى رسالة قوية من الجزائر ضد استفزازات المتربصين بأمنها واستقرارها رغم تحذيراتها المتتالية لقوى الشر من أجل دفعها للإحجام عن ممارساتها المشبوهة التي فاقت الحدود، مفضلة التمادي في غيّها، فكان الردّ استباقيا من السلطة التشريعية التي أجمعت على الإخطار وفق مبدأ "اتق شر الحليم إذا حسم أمره".
بعد استنفاذ الدبلوماسية كل هوامش المرونة وإصرار قوى الشر على اللعب في المياه العكرة، انتقلت الجزائر إلى مرحلة عملية بتبني خيارات بديلة لحماية مصالحها الاستراتيجية وفق منطق استباقي لإنهاء الأوهام التي تنقض مضاجع الكثير من دول المنطقة التي عششت فيها الأجندات الأجنبية والقوى الدخيلة التي أوكلت لها مهمة نشر الفوضى.
فالجزائر التي تتبنى عقيدة السلم في حلحلة الأزمات وضبط النفس مثلما يشهد بذلك رصيدها الدبلوماسي على المستوى العالمي، ما زادها موثوقية على مستوى الهيئات الدولية، قد أدركت أن قطع دابر الشر الذي يتربص بأمنها ومصالحها الاستراتيجية لن يكون سوى بتقويض حشود الأعداء في معاقلها.
كما أن التطوّرات الأمنية المتسارعة في منطقة الساحل الإفريقي، جعلت العقيدة العسكرية للجزائر تشهد تحوّلا نوعيا في أبعادها الاستراتيجية، من خلال التحوّل من "الدفاع الاستباقي"، بمعنى الانتقال من مفهوم حماية الحدود إقليميا من الداخل إلى الدفاع المتقدم، عبر القدرة على احتواء المخاطر وإطفاء بؤر التوتر في العمق الإقليمي قبل انتقالها إلى الأراضي الوطنية.
ويمكن القول إنّ التصويت على الإخطار الخاص بإرسال وحدات عسكرية إلى خارج البلاد، قد مهده تعديل دستور 2020، حيث لم يمانع مشاركة وحدات من الجيش الوطني الشعبي في مهام حفظ السلام أو حماية المصالح الوطنية خارج الحدود بعد مصادقة البرلمان بأغلبية الثلثين، وهو ما تجسد عمليا في قرار الهيئة التشريعية أول أمس.
وانطلاقا من قناعتها الراسخة بأن سيادتها خط أحمر، تتمسك الجزائر بمبدأ الشراكة لا الوصاية وفق ما تقره سياستها الخارجية المرتكزة على ثوابت دبلوماسية تاريخية ترفض التدخلات الأجنبية، في الوقت الذي تحرص فيه على تأمين الممرات الاستراتيجية، على غرار حماية البيئة الجيوسياسية المحيطة بمشاريع الطاقة الكبرى العابرة للصحراء مثل مشروع خط الغاز الرابط بين نيجيريا والجزائر نحو أوروبا. فضلا عن ذلك، فإن هذه الخطوة تندرج في إطار الاستجابة لطلب سيادي من النيجر وفي إطار اتفاقيات ثنائية للتعاون الأمني، مما يكرّس دور الجزائر كفاعل إقليمي رئيسي في فضاء الساحل الإفريقي بعيدا عن أشكال الوصاية الخارجية.
وإذا كانت هذه الخطوة تندرج في إطار تأمين العمق الاستراتيجي للجزائر، فإنها تهدف أيضا إلى منع انهيار دول الجوار الهشة أمنيا وتسهيل تحويلها إلى نقطة انطلاق للجماعات الإرهابية وشبكات التهريب والجريمة المنظمة عابرة الحدود التي تهدّد الأمن الوطني بشكل مباشر، وذلك في الوقت الذي تتمسك فيه الجزائر بقناعة راسخة مفادها أن استقرار منطقة الساحل لا يتحقق عسكريا فقط، بل بتأمين مشاريع التنمية وخلق بيئة اقتصادية متكاملة تقطع الطريق أمام البيئات الحاضنة للاضطرابات.
* مليكة. خ
أكد أن القرار يحمي المصالح الحيوية للبلاد
الأفلان يثمّن إرسال وحدات من الجيش إلى النيجر
ثمّن حزب جبهة التحرير الوطني، تفعيل المادة 91 من الدستور التي تسمح في فقرتها الثانية لرئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة وزير الدفاع الوطني، السيد عبد المجيد تبون، بعد مصادقة غرفتي البرلمان، بإرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى خارج الحدود .
واعتبر الحزب الذي يحوز الأغلبية البرلمانية في الغرفتين، في بيان أصدره عقب تصويت البرلمان على الإخطار الرئاسي، بأن المصادقة على هذا الأمر الرئاسي وفق المبدأ الدستوري المنصوص عليه، والرامي إلى إرسال مفرزة عسكرية إلى النيجر بطلب من سلطاتها العليا، "يرتكز على ضرورة حماية المصالح الحيوية للبلاد، بحكم اتساع نطاق التهديدات العابرة للحدود، وتزايد النزاعات في منطقة الساحل، وانتشار الإرهاب والجريمة المنظمة، فضلا عن تهريب الأسلحة والمخدرات".
وأشاد الحزب بالمناسبة بـ”جودة العلاقات الثنائية بين دولتي الجزائر والنيجر الشقيقتين على أكثر من صعيد، مذكرا ببروتوكول الاتفاق الموقع بينهما مؤخرا، في مجال التعاون العسكري الثنائي في نطاق مواجهة التحدّيات الأمنية المشتركة، وتعزيز التقارب الاستراتيجي والأمني بين الدولتين"، لافتا إلى أن الجزائر تبقى وفية لعقيدتها الدبلوماسية في علاقاتها الدولية الثنائية منها ومتعدّدة الأطراف، وتظل على الدوام منسجمة مع التزاماتها الدولية في تحقيق السلم والأمن العالميين، آخذة في ذلك بعين الاعتبار، الحرص على ضمان أمنها القومي وحماية مصالحها في الخارج والتكيف مع التطوّرات الأمنية في محيطها الإقليمي.
* شريفة عابد