في ظلّ التحوّلات الإقليمية والدولية الرّاهنة والبيئة المتقلّبة
الجيش.. من حماية الحدود إلى تعزيز الاقتصاد والأمن الشامل
- 144
زين الدين زديغة
❊ حماية الدولة ذات السيادة في محيط مضطرب والدفاع عن حدودها الجغرافية
❊ مرافقة المشاريع الكبرى وتطوير الصناعة العسكرية وتأمين ركائز الاقتصاد
❊ الجيش في مهمة تكاملية بين التنمية ودوره السيادي ضمن منطق الأمن الشامل
❊ ركيزة سيادية ودرع استراتيجي لحماية الجزائر في وجه التهديدات المعقّدة
❊ المؤسّسة العسكرية شريك في حماية المصالح الاستراتيجية للدولة إلى جانب دورها الدستوري
❊ الاستثمار في تكوين التكنولوجيا لترسيخ استقلالية القرار الوطني
يتعاظم دور الجيش الشعبي الوطني سليل جيش التحرير الوطني في ظلّ التحوّلات الإقليمية والدولية الراهنة والبيئة المتقلّبة التي تطبع العلاقات الدولية، خاصة وأنّ مفهوم الأمن القومي لم يعد يقتصر على حماية الحدود والدفاع عن سلامة التراب الوطني، بل أصبح يرتبط ارتباطا وثيقا بالقدرة على حماية الاقتصاد الوطني وتأمين الموارد الاستراتيجية وضمان استمرارية التنمية، وهو ما يجعله اليوم أحد الفاعلين الرئيسيين في تجسيد رؤية الدولة القائمة على الربط بين السيادة الوطنية والسيادة الاقتصادية.
تحيي الجزائر اليوم الموافق للرابع أوت، اليوم الوطني للجيش الوطني الشعبي، وهي مناسبة لاستحضار المسار التاريخي للمؤسّسة العسكرية التي امتدّ دورها من جيش التحرير الوطني صانع الاستقلال إلى الجيش الوطني الشعبي، غير أنّ هذه المناسبة تكتسي في هذه المرحلة أبعادا جديدة، في ظلّ التحوّلات الإقليمية والعالمية الراهنة والبيئة المتقلّبة التي تطبع العلاقات الدولية.
في هذا السياق، يحمي الجيش الوطني الشعبي مفهوم الدولة ذات السيادة في محيط مضطرب ويدافع عن حدودها الجغرافية، كما أنّ دوره لم يعد مقتصرا على الوظيفة الدفاعية التقليدية، بل بات يشكّل أحد روافد الاقتصاد الوطني، بما يعكس رؤية استراتيجية تربط الأمن القومي بالسيادة الاقتصادية، وهذا كخيار تكاملي يجعل من المؤسّسة العسكرية أحد روافد التنمية الوطنية، خصوصا في القطاعات ذات الطابع الاستراتيجي أو السيادي. ولا تنفصل مساهمة الجيش الوطني الشعبي في التنمية عن دوره السيادي، بل تندرج ضمن منطق الأمن الشامل الذي يربط بين حماية الحدود وحماية الاستقلال الاقتصادي.
ورغم تكيّف الجيش الوطني الشعبي مع متطلّبات المرحلة الحالية في ظلّ التغيرات الإقليمية والدولية، إلاّ أنّه يظلّ ركيزة سيادية ودرعا استراتيجيا لحماية الجزائر في وجه التهديدات المعقّدة، ومواكبة متطلّبات الدفاع العصري استجابة لرهانات الحاضر وتحديات المستقبل، حيث يعدّ خط الدفاع الأوّل عن السيادة الوطنية، ويضطلع بمهام متواصلة لحماية الحدود في سياق إقليمي متقلّب تطبعه تهديدات أمنية مثل الإرهاب والجريمة المنظّمة وشبكات التهريب والهجرة غير النّظامية، وهو ما يعزّز استقرار الدولة ويحصّنها من الاختراقات.
من هذا المنظور فرضت التحديات الجيو- سياسية العالمية وتزايد المخاطر المرتبطة بالأمن الغذائي والطاقوي والرقمي وسلاسل الإمداد، إعادة صياغة مفهوم الأمن القومي ليشمل مختلف الأبعاد الاقتصادية والتنموية، وهو ما واكبته الجزائر من خلال تبنّي مقاربة الأمن الشامل التي تجعل من المؤسّسة العسكرية شريكا في حماية المصالح الاستراتيجية للدولة، إلى جانب دورها الدستوري في الدفاع عن الاستقلال الوطني والوحدة الترابية. وضمن هذا المنحى برزت الصناعة العسكرية كأحد أهم روافد تعزيز السيادة الاقتصادية، حيث شهدت خلال السنوات الأخيرة توسّعا في قدرات الإنتاج والتصنيع، بما يسمح بتقليص الاعتماد على الاستيراد ونقل التكنولوجيا وتكوين كفاءات وطنية قادرة على مواكبة التطوّرات في هذا المجال.
كما لا يقتصر دور الجيش على الجانب الصناعي بل يمتدّ إلى مرافقة المشاريع الاستراتيجية الكبرى التي أطلقتها الدولة، من خلال تأمين المنشآت الحيوية ومشاريع الطاقة والمناجم والسكك الحديدية والبنى التحتية بما يوفّر البيئة الآمنة لإنجاز هذه المشاريع، ويضمن استقرار الاستثمار وحماية مقدرات البلاد. كما تواصل المؤسّسة العسكرية، الاستثمار في العنصر البشري من خلال تطوير منظومة التكوين والبحث العلمي والتكنولوجي وإعداد كفاءات قادرة على استيعاب التقنيات الحديثة، بما يعزّز استقلالية القرار الوطني في المجالات ذات الطابع الاستراتيجي، ويكرّس توجّها يقوم على بناء قوّة وطنية شاملة تستند إلى المعرفة والتصنيع.