ضمن ديناميكية ترسّخ حضورها القاري
الجزائر تسخّر خبراتها لدعم تنمية إفريقيا وتكاملها
- 144
ق. س
تساهم الجزائر بتجاربها الرائدة في عدة مجالات في إحداث ديناميكية في القارة الإفريقية، بشكل يعكس توجهها نحو ترسيخ حضور يقوم على توظيف الخبرات الوطنية وتبادل المعرفة وبناء الشراكات المنتجة، بما يجعلها شريكا قادرا على الإسهام في معالجة تحديات التنمية، من خلال إمكاناتها التقنية والصناعية والعلمية.
في هذا الإطار، تبرز قطاعات الطاقة والتكوين الجامعي والإنتاج المحلي، بوصفها مجالات تتيح نقل التجربة الجزائرية إلى فضاءات إفريقية أوسع وربط التعاون القاري باحتياجاته الفعلية، ضمن مقاربة تقوم على أساس إحياء المبادرة وتقوية الشراكة البينية الفعلية في القارة والانتقال من تحديد الطموحات إلى البدء في تحقيقها. ويقدم التعاون الجزائري-النيجري في قطاع المحروقات مثالا عمليا على قيمة الخبرة الوطنية في الاستجابة للتحديات التقنية.
ففي أعقاب الحادث الذي أصاب بئر النفط "غوميري W-8" في حقل أغاديم بالنيجر، استعانت السلطات النيجرية بخبراء جزائريين للمساهمة في تقييم الوضع والبحث عن الحلول التقنية المناسبة. وذكر موقع "أكتو نيجر" (ActuNiger) النيجري، في تقرير نشره الجمعة الماضي، بأن تقنيين جزائريين موفدين من مجمع سوناطراك وصلوا إلى الموقع للمساهمة بخبرتهم في إدارة الحادث بعد سلسلة من الاجتماعات التقنية التي عقدت في نيامي. من جهته، أشار موقع "جورنال دو نيجر" إلى أن الاجتماعات التي جمعت وزير النفط النيجري بالخبراء الجزائريين، استهدفت فهم ظروف الحادث وتقييم آثاره وتحديد الحلول التقنية الممكنة.
وتبرز هذه الخطوة قيمة الخبرة الجزائرية في قطاع استراتيجي تعتمد عليه اقتصادات إفريقية عديدة وإمكانية توظيف القدرات التي راكمتها الجزائر في مجال المحروقات خارج حدودها، في حين تصبح الكفاءة التقنية الوطنية موردا تستعين به دولة إفريقية شقيقة لمواجهة تحد ميداني، يتجاوز التعاون تبادل المواقف إلى الاستفادة المباشرة من المعرفة والخبرة. كما تمّ الإعلان عن فتح تحقيق مستقل لتحديد أسباب الحادث الذي أصاب البئر النفطي وضبط المسؤوليات، بمساهمة الخبرة الجزائرية. وبذلك تتمثل دلالة المشاركة الجزائرية في إسهام الخبراء في التقييم الفني ومساندة الجهود الرامية إلى احتواء الحادث دون استباق نتائج العمليات أو التحقيق.
ويمتد هذا التوجه إلى الاستثمار في الإنسان، باعتباره أساس بناء القدرات الإفريقية على المدى الطويل. ففي تنزانيا، ذكرت صحيفة "ذا سيتيزن" التنزانية في تقرير نشرته بداية أكتوبر الجاري، بأن الجزائر عرضت 176 فرصة جامعية للطلبة التنزانيين، اختارت الحكومة التنزانية منها 150 طالب لمتابعة دراسات في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والعلوم الصحية.
وفي المجال الصيدلاني، حظيت الخبرة الجزائرية بإشادة رسمية في تنزانيا، حيث أكدت وزارة الصحة التنزانية في بيان نشرته في 5 أكتوبر الجاري، بأن الأمينة العامة للوزارة غريس ماغيمبي، بحثت في دار السلام مع وفد من وزارة الصناعة الصيدلانية الجزائرية وممثلي شركة "فراتر رازيز" فرص التعاون في إنتاج الأدوية والمنتجات الصحية ونقل التكنولوجيا والاستثمار.
وفي غرب القارة، تندرج الشراكة الجزائرية السنغالية ضمن مساعي تعزيز التعاون الاقتصادي والمؤسساتي بين الدول الإفريقية، وقد أشار "معهد جوبل" السنغالي إلى توقيع 15 اتفاقا للتعاون بين البلدين، واضعا الخطوة في سياق التحركات الدبلوماسية الإقليمية للسنغال، ما يعكس إرادة مشتركة لإعطاء العلاقات الثنائية دفعا جديدا وتوسيع مجالات التعاون بما يخدم المصالح المتبادلة.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية بالنظر إلى انعقاد الدورة السادسة للجنة المشتركة الكبرى الجزائرية السنغالية من 11 إلى 13 أكتوبر. ووفق البيان المشترك لأشغال اللجنة، فقد شملت مجالات التعاون المستهدفة، الطاقة والمناجم والجيولوجيا والاستثمار والنقل والخدمات الجوية والأرشيف والتعليم العالي، مع تأكيد الطرفين على ضرورة متابعة الالتزامات وتحديد المشاريع ذات الأولوية وآجال تنفيذها، ما يبرز أهمية الانتقال من الإرادة السياسية إلى برامج عملية قابلة للقياس والتنفيذ.
كما تتجلى ديناميكية الشراكة الجزائرية – الإفريقية، في العلاقات مع جنوب إفريقيا، حيث شكلت زيارة وزير العلاقات الدولية والتعاون الجنوب إفريقي رونالد لامولا إلى الجزائر مناسبة لدفع التعاون الثنائي نحو آفاق أوسع، من خلال تعزيز المبادلات التجارية وتطوير التعاون في قطاعات الطاقة والمعادن والاستثمار.
وقد أبرزت منصة "ترالاك" الإفريقية المتخصّصة في التجارة، أهمية توسيع المبادلات بين البلدين لتشمل الصناعات الصيدلانية والزراعة والبحث العلمي والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، بما يعكس تنوّع مجالات الشراكة وإمكانات تطويرها. ويعكس هذا التوجه حرص رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون على ترسيخ شراكات إفريقية تقوم على التكامل وتبادل المنافع، حيث تستند الجزائر إلى ما راكمته من خبرات وإمكانات تقنية وصناعية وعلمية، بما يعزّز دورها كشريك فاعل في دعم التنمية والتكامل الإفريقيين.