أدرج محاولات زعزعة استقرار النيجر ضمن الحروب الهجينة.. الخبير ميزاب:
الجزائر انتقلت من حماية حدودها إلى حماية عمقها
- 195
شريفة عابد
أكد الخبير الأمني والاستراتيجي، أحمد ميزاب، أن محاولة التمرد المسلحة التي قام بها تنظيم "الجبهة الوطنية للتحرير" بالنيجر، الذي يقوده محمود صالح، تهدف لزعزعة استقرار النيجر والمنطقة ككل، مشيرا إلى أن تندرج ضمن "الحروب الهجينة"، باعتبارها حربا بالوكالة ومحاولة لإعادة هندسة البيئة الأمنية والسياسية في النيجر بما يخدم مصالح أطراف خارجية.
أوضح ميزاب في تصريح لـ"المساء" أن كل المؤشرات المتوفرة حول ما يحدث بالنيجر لا تسمح بالتعامل مع الأمر باعتباره مجرد تحرك داخلي، بل هناك معطيات تتعلق بدعم خارجي "للجبهة الوطنية للتحرير"، ومسارات لتمويلها وتسليحها، إضافة إلى ارتباطات إقليمية ينبغي قراءتها ضمن خريطة النفوذ الممتدة من الساحل إلى ليبيا، مضيفا بأن "محمود صالح، ليس مجرد شخصية في المشهد المسلح، وإنما جزءاً من شبكة تحركات تحتاج إلى تفكيك أمني دقيق لفهم مصادر الدعم والارتباطات والهدف النهائي من إعادة تنشيط العمل المسلح ضد السلطات في نيامي، مع البحث عمن يوفر التمويل والسلاح والغطاء اللوجستي، ومن يمتلك مصلحة استراتيجية في نجاح العملية التي تعتبر حربا بالوكالة، كون النيجر ليست مجرد دولة في منطقة الساحل، بل تدخل ضمن منظومة الأمن الإقليمي للجزائر، كما أن تطوراتها الداخلية تنعكس بصورة مباشرة على البيئة الأمنية للحدود الجنوبية ".
واعتبر محدثنا أن أي محاولة لإضعاف دولة النيجر أو تفكيك مؤسساتها الأمنية، يترتب عنه فراغاً تستفيد منه الجماعات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة والتهريب، ما يعني انتقال التهديد تدريجياً من العمق النيجري إلى المجال الإقليمي، بما فيه المجال الحيوي الجزائري.
كما أشار إلى التأثير السلبي لحركة التمرد على الجانب الاقتصادي والطاقوي، من خلال محاولة زعزعة الشراكة الاستراتيجية بين الجزائر ونيامي، بعد أن دخلت النيجر مرحلة جديدة من إعادة بناء شراكاتها الاقتصادية والاستراتيجية.
من هذا المنطلق، اعتبر ميزاب، أن ما تشهده منطقة الساحل يؤكد أن الصراع لم يعد يأخذ شكله التقليدي بل تحوّل إلى حرب "هجينة" بنمط أكثر تعقيداً يقوم على استخدام وكلاء محليين، وتوفير التمويل والتسليح، وتوظيف المعلومات، وضرب البنية التحتية، وإرباك المؤسسة العسكرية، واستهداف الثقة داخل الدولة، بالتوازي مع حملات تأثير إعلامية وسياسية، لافتا إلى أن الخطير في هذا النموذج هو أن الجهة الخارجية تستطيع أن تحافظ على مسافة بينها وبين الحدث، بينما يتحمل الفاعل المحلي التكلفة السياسية والأمنية والميدانية.
ولم يستبعد الخبير الإستراتيجي يد الإمارات في هذه المحاولة الجديدة لزعزعة استقرار النيجر، تقديرا منه أنه لا يمكن فصل التطوّرات الأخيرة عن التنافس الإقليمي على النفوذ في منطقة الساحل وشمال إفريقيا، لاسيما وأن هناك، حسبه، مؤشرات تتعلق بدعم إماراتي للجبهة الوطنية للتحرير، سواء على مستوى التمويل أو التسليح أو التسهيلات، إضافة إلى مسارات ارتباط مرتبطة بشرق ليبيا.
ويعتبر الخبير أن أي قراءة أمنية جدية لما حدث في النيجر يجب أن تضع في الاعتبار مثلثاً جغرافياً شديد الحساسية "النيجر، ليبيا، ومنطقة الساحل" وهو المثلث الذي يمكن أن يتحوّل إلى مجال لتقاطع المصالح والشبكات المسلحة ومراكز النفوذ، ما يفرض، حسبه، رفع أجهزة الأمن والاستخبارات في المنطقة لمستوى التنسيق وتبادل المعلومات.
وجدد ميزاب، صحة مقاربة الجزائر، التي لا تبحث عن النفوذ من أجل النفوذ، ولا تريد التدخل في الشأن الداخلي للنيجر، وإنما تريد دولة قوية وقادرة على حماية سيادتها وحدودها ومؤسساتها، مشيرا إلى أن الجزائر تستطيع أن تكون قوة توازن في الساحل من خلال دعم المؤسسات، وتبادل المعلومات، وتعزيز التعاون الأمني، وتأمين الحدود، وتطوير المشاريع الاقتصادية، دون صناعة وكلاء أو الدخول في صراعات داخلية، ليخلص إلى التأكيد على أن الجزائر أمام مرحلة تحتاج فيها إلى الانتقال من مفهوم حماية الحدود إلى مفهوم حماية العمق، لأن دعم استقرار النيجر، وتعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي معها، وحماية الشراكات الاقتصادية والطاقوية، وتجفيف مصادر تمويل الجماعات المسلحة، كلها ملفات مترابطة في منظومة واحدة عنوانها الأمن الاستراتيجي الجزائري.