أكد أن جائحة كورونا أكسبت معهد باستور الجزائر خبرة... درار لـ"المساء":
إنتاج محلي للأمصال وتشخيص السرطان وتتبّع الجينات قريبا
- 207
حاورته: أسماء منور
❊ (كوفيد-19) سرّع عصرنة المعهد ووسّع قدراته البحثية
❊ الجزائر ليست بمنأى عن الأوبئة لكن الاستعداد قائم
❊ تشخيص مبكر على الحدود يحدّ من انتشار الأمراض
❊ 50 ألف جرعة لتلقيح الحجّاج ضد التهاب السحايا والإنلفونزا
كشف مدير معهد باستور الجزائر، البروفيسور فوزي درار، أن المعهد عرف خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة خاصة في أعقاب جائحة كوفيد-19، حيث تم تعزيز البحث العلمي وتطوير المشاريع البحثية، إلى جانب إطلاق برامج لإنتاج اللقاحات والأمصال محليا، بما يدعم جاهزية الجزائر لمواجهة أي طارئ وبائي محتمل.
تطرق البروفيسور درار في حوار مع "المساء" إلى الوضع الوبائي الحالي، وانتشار الفيروسات الموسمية، وبرامج التلقيح المعتمدة، فضلا عن الشراكات العلمية الدولية التي تعزز الأمن الصحي وطنيا وإقليميا، وتؤكد جاهزية المعهد الدائمة للتصدي للأزمات الصحية، وتحويل التحديات الوبائية إلى فرص حقيقية لتعزيز السيادة الصحية الوطنية.
❊ كيف تقيّمون الدور الاستراتيجي لمعهد باستور الجزائر في منظومة الصحة الوطنية؟
❊ يعد معهد باستور الجزائر من أهم المراكز المرجعية حيث يتوفر على مجموعة واسعة من التخصصات العلمية المرتبطة بالفيروسات، علم المناعة والبكتيريا، بالإضافة إلى الطب الحيواني والأمراض المستعصية، وقد باشر المعهد في السنوات الأخيرة أبحاثا متقدمة في مجال السرطان الذي يشهد انتشارا في الجزائر، بما يتطلب علاجه جهودا مكثفة للتشخيص المبكر وتتبع الجينات المرتبطة بظهور الأورام. وهنا أود الاشارة إلى أن المعهد يلعب دورا محوريا في مجال اللقاحات، خاصة وأنه الجهة الوحيدة المخولة لاقتنائها خاصة تلك الموجهة للبرنامج الوطني لتلقيح الأطفال واللقاحات ضد الانفلونزا.
❊ ما هي أهم التحوّلات التي عرفها المعهد في السنوات الأخيرة؟
❊ كان لجائحة كوفيد-19 أثر كبير جدا، لأن المعهد كان الجهة الوحيدة المسؤولة عن تشخيص الوباء، كما باشر سلسلة من الأبحاث في إطار انجاز مقالات علمية، وكانت المهمة الأولى إعطاء الفرصة للمخابر الوطنية من أجل تطوير لقاحات ضد فيروس كورونا المستجد، حيث تنقل باحثون من المعهد إلى جميع ولايات الوطن من أجل التأسيس لمنظومة مخبرية تسمح بتشخيص هذا الفيروس بواسطة التجهيزات التي تم توفيرها لهذا الغرض، ما مكن المخابر الوطنية من تشخيص أمراض أخرى بالإضافة إلى فيروس كوفيد -19.
وبعد انقضاء الجائحة أصبح المعهد مزودا بأحدث الأجهزة التكنولوجية، كما باشرنا عملية رقمنة نشاطاته التي بلغت نسبة 90 بالمائة، بما يضمن مرونة أكبر في إدارة الملفات البحثية والطبية، وتتجه مصالحنا إلى رفع مستوى البحث في مجال تشخيص بعض السرطانات بالتنسيق مع اللجنة الوطنية لمكافحة السرطان ما سيكون له أثر في المستقبل، حيث أصبح من الممكن تشخيص الجينات التي تكون فيها تغيرات ناجمة عن الإصابة به وهي الأبحاث التي نعمل على تدعيمها.
كما يعمل المعهد على تطوير برامج لإنتاج الأمصال محليا، ومن المتوقع أن يكون مصنع الإنتاج جاهزا بحلول 2027، ما يمكن من تلبية الطلب الوطني والإقليمي خصوصا في إفريقيا، وتشمل المنتجات الأمصال المضادة لداء الكلب والدفتيريا والتيتانوس، إضافة إلى إنتاج لقاحات استثنائية ضمن إطار البحث والتطوير.
❊ هل الجزائر اليوم في منأى عن موجات وبائية جديدة؟
❊ بالطبع الجزائر ليست في منأى عن أي موجات وبائية خاصة بالنّظر إلى رقعتها الجغرافية، حيث رصد المعهد بعض الحالات على مستوى الحدود مثل حمى غرب النيل في أقصى الجنوب والشرق وتم تشخيصها عند الحيوان، وهو ما سمح باتخاذ إجراءات تنسيقية مع مختلف القطاعات لمنع انتشار الأمراض وظهور حالات وبائية، وقد أثبتت التجارب الأخيرة في ولاية تيزي وزو قدرة المعهد على التشخيص السريع في ظرف قياسي بفضل توفر وسائل التشخيص المرجعية، كما نعمل بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية، ومخابر دولية مرجعية بمجرد إطلاق إنذارات حول انتشار أوبئة جديدة.
❊ هناك عدة حالات تعاني من أعراض كورونا، هل لا يزال الفيروس نشطا في الجزائر، وما هي أهم الفيروسات المنتشرة حاليا؟
❊ الوضع الوبائي حاليا مستقر، حيث كانت هناك موجة فيروسية موسمية خلال جانفي الماضي، وهنا أوضح أنه خلال شهري أكتوبر ونوفمبر الماضيين، تم تسجيل حالات تخص كوفيد -19 تم كشفها من قبل المخبر المرجعي للمعهد، إلا أنه في أواخر ديسمبر الماضي، تراجعت حالات كوفيد-19 وأصبح هناك انتشار كبير للفيروس الموسمي للإنفلونزا، إلا أنه بعد ذلك ظهرت سلالة (H3n2) وهي إحدى أخطر السلالات المنتشرة حاليا للإنفلونزا، لأنها تتسبب في مضاعفات صحية خطيرة وتسببت في دخول 25 حالة إلى المستشفى دون تسجيل وفيات، في المقابل هناك أمر جد إيجابي تم تسجيله هذا الموسم هو الإقبال الكبير على الحملة الوطنية للتلقيح، حيث اقتنى معهد باستور مليوني جرعة من لقاح الانفلونزا واستكملت الكميات تماما في منتصف جانفي المنصرم، ما سمح بتشكيل مناعة جماعية، كما تم قياس نجاح هذه الحملة من خلال تراجع الضغط على أقسام الاستعجالات والمستشفيات ما يعني أن التلقيح ساهم بفعالية في منع انتشار الحالات.
وفيما يخص تحور فيروس الانفلونزا هناك بعض السلالات التي تحورت وهي "h3n2"، حيث يمكن أن يصل عدد المصابين إلى 1000 شخص في يومين ما يضاعف الحالات الخطيرة. وبالرغم من ذلك تمكن المعهد من تحقيق تغطية بنسبة 100 بالمائة للقاح السنة الماضية، ما وفر حماية جيّدة للسكان، ومع اقتراب الموسم القادم سيكون هذا النّوع من متحور الإنفلونزا مدرجا في اللقاحات الجديدة.
❊ كم سجّل المخبر المرجعي للإنفلونزا من حالات إلى يومنا هذا؟
❊ وفقا لأحدث البيانات الصادرة عن شبكة المراقبة الوبائية للأنفلونزا وكوفيد-19، شهدت الجزائر بين الأسبوع الـ40 لسنة 2025 والأسبوع السابع لسنة 2026، ارتفاعا ملحوظا في حالات الإصابة بفيروس الأنفلونزا، في حين سجلت حالات كوفيد-19 انخفاضا مقارنة بالموسم الماضي.
❊ أين وصلت مشاريع إنتاج أو تطوير اللقاحات محليا؟
❊ فيما يخص إنتاج اللقاحات كان المعهد رائدا في هذا المجال ويعمل بالشراكة مع "صيدال". كما أنه عزّز قدراته في مجال الأمصال حيث تم تطوير البنية التحتية للإنتاج لتصبح جاهزة خلال السنة القادمة، بعد أن انطلقت عملية إنجازها في السنوات السابقة لتحقيق الاكتفاء الذاتي. وتشمل هذه الأمصال مضادات السموم مثل تلك المستخدمة في التسمم العقربي، بالإضافة إلى الأمصال الخاصة بداء الكلب والديفتيريا، والتي ما زال العمل جاريا على تصنيعها محليا، إذ أن الهدف الرئيسي للمعهد هو التوجه إلى التصدير مستقبلا إلى جانب تلبية الاحتياجات الوطنية. كما يتمتع المعهد بشراكات قوية مع بعض البلدان الإفريقية ضمن ما يعرف بالمبادرة الإفريقية للتلقيح التي يشرف عليها معهد باستور في السنغال مع شركاء آخرين، بهدف إنشاء بنية تحتية إفريقية مشتركة للإنتاج والتوزيع، وتتيح هذه الشراكات، إلى جانب التعاون مع المجمعات الصيدلانية الوطنية، إمكانية إنتاج لقاحات متنوعة محليا بما يضمن الاستجابة السريعة للاحتياجات الوطنية والإقليمية، وسيتم هذه السنة توفير لقاحات ضد سرطان عنق الرحم.
❊ كيف يمكن تحقيق الأمن الصحي في الجزائر في ظل المتغيرات الصحية الدولية؟
❊ أصبح الأمن الصحي جزءا أساسيا من الأمن القومي، فالاعتماد الكبير لبعض البلدان على المعونات الخارجية وتوقف بعض التمويلات المالية (كما هو الحال لبعض المنظمات الصحية الدولية التي تم وقف بعض مصادرها التمويلية)، أبرز مكانة الجزائر والحاجة للاستفادة من خبرتها ونظامها الصحي المستقل، ووضعها في مركز متميّز لإنتاج الأمصال والأدوية وتقديم الخبرة الإنسانية للبلدان الأخرى، بما يدعم الأمن الصحي الوطني والإقليمي لأنها تتمتع باكتفاء صيدلاني ذاتي.
❊ ما طبيعة الشراكات التي تجمع معهد باستور الجزائر بشبكة المعهد العالمية؟
❊ معهد باستور هو شبكة معاهد دولية تربطها أبحاث علمية سنوية، يجتمع مديروها لتفعيل السياسات البحثية كما هو الحال مع معهد باستور تونس، الذي تتعاون معه الجزائر في مجال علاج اللشيمانيا، كما هناك بعض الأبحاث يقودها المعهد في ساحل العاج وفي مدغشقر، ولكن الهدف اليوم هو أن نعطي صبغة لهذه الأبحاث من ناحية توفير الخبرة الإنسانية، كما هو الحال بالنسبة لمقاومة المضادات الحيوية.
تربطنا مع معهد باستور في السنغال، شراكة خاصة في مجال البحث عن الأمراض المتنقلة عن طريق المياه، واليوم هناك بحوث كبيرة تخص بعض الأمراض التي تنتقل عن طريق المياه، وبعض الحشرات والفيروسات والبكتيريا الموجودة فيها، كما توجد شراكات مع المملكة العربية السعودية، لإجراء أبحاث حول فيروس الجهاز التنفّسي للشرق الأوسط، ضمن مشاريع شراكة لتكوين الباحثين في مجال التسلسل الجيني للأمراض التنفسية.
❊ فيما يخص برنامج تلقيح الحجّاج.. ماهي الكميات المخصصة ومتى ستتم العملية؟
❊ وفّر المعهد أكثر من 50 ألف جرعة لجميع الحجّاج، ويمكن توزيعها على المراكز التي تشرف على عملية التلقيح، وحتى بالنسبة للقاح التهاب السحايا فإن المعهد يوفره للمعتمرين في شهر رمضان.