بدأ خيالاً.. ثم غيّر قواعد اللعبة

100 عام من سينما الذكاء الاصطناعي

100 عام من سينما الذكاء الاصطناعي
  • القراءات: 612
وكالات وكالات

مضى قرن من الزمن تقريبا منذ ظهور الذكاء الاصطناعي للمرة الأولى في السينما، ومنذ ذلك الحين وهو يتطور بشكل سريع جدا، وباتجاهات مختلفة. شخصيات الذكاء الاصطناعي في الأفلام متنوعة من الكبير إلى الصغير، ومن الطيب إلى الشرير، ومن الآلي إلى المؤنسن، لكن المذهل حقا أن هذه الشخصيات منذ بداية ظهورها في الأفلام، تمتعت باستقلالية كبيرة جدا، وبدرجات متفاوتة من الدقة.

العلاقة بين البشر والذكاء الاصطناعي في السينما معقّدة كما هي في الواقع تماما. فخلال العقود الماضية شاهدنا الذكاء الاصطناعي على شكل مرافق طيب يساعد نظراءه من البشر. وشاهدناه على شكل شرير خبيث وعدوّ لدود، يريد تدمير عالم البشر. والفكرتان تنبعان من تيارين فكريين: الأول يعقد آمالا على الذكاء الاصطناعي وفائدته للبشر. والآخر يعكس خوفا شديدا من تأثير الذكاء الاصطناعي على مستقبل البشر.

المرة الأولى

ظهر الذكاء الاصطناعي للمرة الأولى في تاريخ السينما في فيلم الخيال العلمي الألماني Metropolis عام 1927. كان على شكل نصف بشري نصف روبوت مصمم على الاستيلاء على مدينة "ميتروبوليس" عن طريق إشاعة الفوضى. بداية واعدة على الرغم من أنها متشائمة، لكنها تخبرنا الكثير عن الحالة المزاجية للناس في ذلك الوقت، وتجاه الذكاء الاصطناعي الذي كان مجرد خيال آنذاك. كان "ميتروبوليس" فيلما ألمانيا في حقبة لم تكن هوليوود قد تحولت إلى مصنع أفلام العالم بعد. لكن أول ذكاء اصطناعي ظهر في فيلم أمريكي حدث بعد 24 عاما من "ميتروبوليس"، وكان إيجابيا. إنه "غورت" من فيلم "عندما توقفت الأرض" عام 1951. "غورت" هو حارس لبطل الفيلم، صامتاً معظم الوقت، لكنه روبوت ودود جدا، ليس فقط لصاحبه بل للنوع البشري.

ظل "ميتروبوليس" و"غورت" مسيطرين على خيال عشاق الخيال العلمي لـ17 عاما بعد ظهور الأخير، ولكن بدخول الستينات تغيرت اللعبة بأكملها.

عام 1968 أتى الأب الروحي لكل أفلام الخيال العلمي وهو تحفة ستانلي كوبريك "2001: سبيس أوديسي"، وهو الفيلم الذي قدّم لنا "هال 9000"، وهذا الأخير كان وقتها شيئا جديدا كليا. كان "روبوت" وهو العقل الإلكتروني للمركبة الفضائية، متأملاً وباردا وقويا، وأكثر روبوت أنسنة من كل الروبوتات السابقة والمعاصرة رغم عدم امتلاكه جسما يشبه جسم البشر، والسبب قدرته على التحدث. وكان ملك المشهد غامضا وفخورا وخائفا وطموحا، ويتوسل للإبقاء عليه حيا؛ "هال 9000 " كان الذي غيّر قواعد اللعبة إلى الأبد.

الحقبة الرسمية

تُعد السبعينات الحقبة الرسمية للخيال العلمي في هوليوود بسبب الهوس العالمي بغزو الفضاء، والذي أطلقته القوتان العظميان آنذاك، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، خصوصا بعد هبوط نيل آرمسترونغ على سطح القمر. وقتها أخذ الخيال العلمي القصص من الأرض، ووضعها في الفضاء، وبين الكواكب. وأصبحت الأفلام مليئة بالتفاؤل تجاه التقنيات الحديثة.

والسبب أن التقنية والإنجازات العلمية التي أوصلت أمريكا إلى القمر، كانت مبعث فخر للشخصية الأمريكية، لا سيما بعد الهزيمة في أدغال فيتنام، وبعد حقبة من الخداع السياسي بين النخبة السياسية الأمريكية والشعب الذي انتخبها، فكانت أفلام الخيال العلمي مهرباً إلى عالم متفائل بعيد عن الواقع الكئيب. وفي هذه الأجواء ظهرت سلسلتان مهمتان جدا؛ "حرب النجوم" و"ستار تريك".

في هاتين السلسلتين رأينا الجانب المرح والمفيد من الذكاء الاصطناعي والروبوتات المؤنسنة، وكل واحد منها تمتّع بشخصية مستقلة، فريدة من نوعها. في الوقت نفسه لم يغب تأثير "هال 9000" عن الأذهان. ففي السبعينات نفسها ظهرت كلاسيكيات ذكاء اصطناعي مظلمة، كان أبرزها "ويست وورلد" 1973 وAlien عام 1979. هذان الفيلمان قدّما نموذجاً صارخا لذكاء اصطناعي غاضب ومنتقم وقاتل، يعتدي على صانعه، ويسعى لترك بصمته في عالم البشر.

البداية الفعلية

خرج الذكاء الاصطناعي من نطاق السينما التخصصية إلى النطاق الشعبي أو السائد في الثمانينات، فجاءت أفلام الميزانية الضخمة (بلوكباستر) مثل "سوبرمان 3" و"Wargames" وكلاهما عام 1983، إضافة إلى الحلقتين الخامسة والسادسة من "حرب النجوم"، لكن الذكاء الاصطناعي سينمائياً، لم يبدأ فعلياً في الثمانينات إلا عام 1982، وذلك بطرح فيلم ريدلي سكوت الشهير Blade Runner المستلهم جزئيا من "ويست وورلد "، وتحدى ذكاء الجمهور بطرح سؤال جوهري: " ماذا يعني أن تكون آدمياً؟ "، و"أين الحدود الحقيقية بين عالمنا وعالم الذكاء الاصطناعي؟".

لم يكد الجمهور يستفيق من فلسفة Blade Runner حتى انفجرت قنبلة حقيقية من الذكاء الاصطناعي اسمها Terminator أو "المبيد" عام 1984. قلب "المبيد" كثيرا من مفاهيم السينما رأسا على عقب؛ لأن لا مخرجه مخرج ولا بطله ممثل. والاثنان نجحا نجاحاً ساحقا في هوليوود عاصمة أفلام العالم. وجاء الكندي جيمس كاميرون، خبير المؤثرات الخاصة المرئية بفيلم "المبيد "، وجلس على كرسي الإخراج، موجهاً بطل كمال الأجسام آرنولد شوارتزينيغر في دور بطولة مطلقة. ومن قوة الفيلم تقبلت الناس وجود بطل أجنبي نمساوي، يتحدث لغة إنجليزية ثقيلة بلهجة ألمانية، في قصة أمريكية.

وأدى شوارتزينيغر دور قاتل سايبورغ مأجور - يعني روبوتاً - بشكل بشري مصنوع بواسطة نظام الذكاء الاصطناعي "سكاينيت"، لكنه لا يتسم بأيّ صفة إنسانية؛ أي أن كاميرون أعاد عرض فكرة كوبريك بشكل مختلف وجديد كليا. كان عنيفاً وقاسياً، لكن الطريقة التي ظهر بها أعطت فيلم خيال علمي أكشن عادي، لمسة من الأصالة.

ولم تبرز أفلام الذكاء الاصطناعي في التسعينات إلا في فيلمين: الأول كان "ذا ميتريكس"، والثاني The Iron Giant، وكلاهما في آخر التسعينات.

ثم جاءت الألفية الجديدة وازدهرت فيها المؤثرات الخاصة المرئية المصنوعة بالكمبيوتر بشكل لم يسبق له مثيل، فبرز فيلمان في البداية Artificial Intelligence و Minority Report لستيفن سبيلبرغ، ثم توالت الأفلام I Robot عام 2004 و"ترانزفورمرز" 2007 وWall-E عام 2008، والأخير ظهر فيه أكثر روبوت طيب وودود في تاريخ السينما.

وفي العقد التالي جاءت أهم ثلاثة أفلام ذكاء اصطناعي: الأول Her في 2013، والثاني Ex Machina في 2014، وUpgrade في 2018. الأول عن علاقة حب بين آدمي ونظام ذكاء اصطناعي. والثاني عن ذكاء اصطناعي مخادع وله نوايا خبيثة. والثالث عن توظيف الذكاء الاصطناعي في علاج إعاقة بدنية للانتقام من عدو.

ما بدأ كخيال بحت في "ميتروبوليس" أصبح، اليوم، جزءاً لا يتجزأ من حياتنا الواقعية، ومنها انعكس، بشكل مذهل وإبداعي، على شاشات السينما.