الدكتورة سميرة أمبوعزة في ندوة بقصر "خداوج العمياء":
يناير احتفاء بالأرض وليس له علاقة بأيّ دِين
- 712
لطيفة داريب
قالت الدكتورة سميرة أمبوعزة إنّ الاحتفال بيناير لا يمكن أن نقول عنه "بدعة" لأنّه بعيد عن كلّ الديانات ويتعلّق بالأرض التي يجني منها الإنسان كلّ ما قدّمه لها، مشيرة إلى أنّ هذا الحدث يجمع بين أفراد العائلة الواحدة في زمن ضعفت فيه صلة الأرحام.
قدّمت الدكتورة سميرة أمبوعزة، بقصر "خداوج العمياء" الذي يحتضن المتحف العمومي الوطني للفنون والتقاليد الشعبية، مؤخّرا، مداخلة تحت عنوان "يناير أسطورة شعبية وموروث ثقافي"، تطرقت فيها إلى تضارب الآراء خاصة في مواقع التواصل الاجتماعي حول الاحتفاء بيناير واعتباره بدعة، فقالت إنّ يناير هو احتفال البشر بالأرض كيفما كانت ديانتهم، كما أنّه مرتبط بمعتقدات ضاربة في القدم، حيث اعتقد الأمازيغ أنّ من يحتفل بيناير سيحظى بسنة سعيدة وناجحة. في حين يختلف الاحتفال من قبيلة لأخرى على حسب النمط المناخي والجغرافي اللذين كانا يتحكّمان بالطبيعة. علما أنّه لا يقتصر على الأمازيغ بل حتى العرب يحتفون به.
وتابعت المحاضرة أنّ اليوم الثاني عشر من يناير هو بداية الشهر الأوّل من السنة الأمازيغية، حيث يحتفل الأمازيغ بيناير كونه بداية السنة الزراعية ويسبق التقويم الميلادي بـ951 سنة، وتنقسم هذه الكلمة إلى قسمين، "ين" ويقصد بها بداية و"آير" يعنى بها شهر. موضّحة ارتباط الاحتفال برأس السنة الأمازيغية بأساطير تنبض حكما ومواعظ مثل أسطورة عجوز يناير التي تعود إلى عجوز تحدّت الطبيعة وخرجت للرعي رغم قساوة الطقس، فغضب شهر يناير منها وطلب من شهر فورار (فيفري) أن يعيره يوما فقبل هذا الأخير وأصبح بـ29 يوما بدلا من ثلاثين، وهكذا تمكّن شهر جانفي من القضاء على العجوز العنيدة. وأردفت أنّ هذه القصة تروى للأطفال ويطلب منهم عدم أكل الحلوى ليلة يناير بل تركها إلى الصباح حتى لا تأتي عجوز يناير وتأخذها منهم، وبالتالي يتعلّم الأطفال سماع كلام الكبار وعدم التباهي بما لديهم.
أما أسطورة "غنجة"، فهي عن شابة جميلة بشعر طويل تعيش مع والدها الثري، وفي يوم من الأيام تصاب القرية التي يعيشان فيها بالقحط، فيطلب سكانها من والد غنجة أن تخرج ابنته إلى الشارع وتتضرّع للسماء كي يسقط المطر باعتبار أنّها الوحيدة التي لم تفعل ذلك، وكذا أن تسدل شعرها على كتفيها فكان ذلك وفاضت السماء وسعد الجميع بذلك.
وهكذا، تضيف الدكتورة، تقوم فتيات القرى اللواتي لا تتعدى أعمارهن 12سنة، بحمل ملاعق كبيرة وإلباسها زي العروس، وترديد "هذه غنجة عروس النور" وكذا "بوغنجة حرّك راسك يا ربي تروي ناسك"، ويطلبن من السكان تقديم بعض من المواد لصنع الطعام الذي يوضع في الشارع ومن ثم يطلب من آكليه الدعاء لنزول الغيث.
وتابعت أمبوعزة مجدّدا أنّ هناك أسطورة أخرى حول يناير، عن شابة جميلة اسمها "تاسيليا" كانت تستحم في نهر، شاهدها إله المطر "أنزار" فطلب منها الزواج، لكنها رفضت فانقطع المطر وحبس أنزار من طرف أموقران الاله الأكبر لأنه أراد الزواج ببشرية، واستمر هذا الوضع لفترة طويلة إلى غاية قبول تاسيليا الزواج من أنزار لينتهي الجفاف، مضيفة أن هذه المرأة ترمز إلى الأرض الخصبة التي كلما منحتها شيئا ردته إليك أضعافا مضاعفة.
أسطورة أخرى قصّتها أمبوعزة، وهي عن رقصة الآيراد التي يقوم بها سكان بني سنوس بتلمسان احتفالا بيناير، وهي عبارة عن مسرحية يؤدي فيها الممثلون، رقصات ويضعون أقنعة أسد ولبؤة وحيوانات أخرى، مشيرة إلى وصفهم من طرف البعض بالهمج رغم أنّ نفس هؤلاء يعجبون بقصص الحيوانات حينما تقدّم من طرف استوديوهات "ديزني" مثلا.
وقدّمت الدكتورة تفاصيل عن هذه التمثيلية والرقصات، فقالت إنّ لبؤة تعاني من مخاض عسير، فيطلب الأسد من جميع الحيوانات إحضار الطعام حتى تسهل ولادتها فيفعل الجميع ذلك وتلد اللبؤة التي تمثّل الأرض، شبلها الذي يمثل البذرة وتعود الحياة إلى مجاريها بعد أن اتّحدت كلّ الحيوانات المفترسة منها والأليفة من أجل المصلحة العامة.
بالمقابل، ذكرت المحاضرة تقديم عدة أكلات تقليدية ناتجة عن المحصول الزراعي للسنة السابقة في يناير، تيمنا بسنة جديدة ذات خير وافر عن سابقتها، تأتي في مقدّمتها أكلة الكسكسي التي تعتبر إحدى الوجبات الهامة، وتقدّم باللحم وسبعة من خضار، علاوة على البركوكس والشرشم والمسمن والبغرير وغيرها من المحاصيل الزراعية. واعتبرت أنّ وطننا الجزائر قارة تجمع الكثير من الحضارات والأحداث، وقد تركت لنا موروثا شاهدا عليها، وأصبح جزءا من هويتنا، لهذا وجب علينا الحفاظ عليه وجمعه وتثمينه واحترامه ودراسته، ما يساعدنا في التمسّك بهويتنا، فمن ليس له ماض ليس له حاضر.