"قصبة الجزائر" للتشكيلي بني كوس برواق "عائشة حداد
ومضات تراثية برائحة الأجداد
- 191
مريم. ن
اختار الفنان منير بني كوس "القصبة"، لتكون موضوع معرضه الجديد، المقام إلى غاية 28 سبتمبر الجاري، مقترحا تشكيلة من اللوحات، التي تُبرز معالم العمران والعادات والتقاليد، في عودة مباشرة عبر الذاكرة، إلى زمن بهي لا يزال راسخا، لم يتحول رغم عقود من الزمن.
التقت "المساء"، الفنان عند مدخل المعرض، وكان منهمكا في استقبال الجمهور والتحدث معه، ليؤكد خلال حديثه لـ"المساء"، أنه اختار القصبة، لأنها من تراثنا الحي والمطلوب دوما وباستمرار، ثم قال "أنا لا أعرف جيدا القصبة، فلقد وُلدت وعشت بمنطقة "شوفالي" بأعالي العاصمة، لكن تفاصيل وذاكرة هذا الحي، استلهمتها من الأستاذ ابن القصبة، مصطفى باش جبار، الذي توفي في سن المئة عام، علما أنه مارس التدريس بالمدرسة العليا للفنون الجميلة، بالتالي حاولت أن أوصل ذاكرته للأجيال، كي يبقى هذا الأثر".
لوحة "القصبة" سيدة المعرض
أكبر لوحة في المعرض وُضعت قبالة المدخل، هي لوحة "القصبة"، تُبرز أحد شوارعها الرئيسية في زمن عزها وتألقها، حيث تسير النسوة بلباس "الحايك" الأبيض، وفيها دكاكين الفواكه، كدليل على الرخاء والذوق الرفيع، إذ كانت هذه الدكاكين تُزيَن بعناقيد الياسمين والفل، وتُوضع الفواكه في تنسيق تام في السلال والصناديق الجميلة. وكذلك الحال مع العمارة، حين تُطل الدويرات والمآذن والشوارع النظيفة، وتكاد أيضًا تسمع أصوات المارة والباعة، ناهيك عن صفاء الطبيعة، من خلال السماء الزرقاء التي تبدو وكأنها ملتحمة مع البحر، غير البعيد عنها.
تمتد عبر المعرض، اللوحات الملوَنة ذات المواضيع المبهجة، وهو ما يجلب الجمهور لاقتناء لوحاته وأعماله التي يُثبت فيها، عبر مختلف معارضه، مدى الجهد والبحث المبذول فيها، لذلك يحرص دائمًا على إيصال هذه الفكرة لجمهوره، حين الحديث معهم.
خصص الفنان بني كوس أغلب اللوحات للقصبة، ولكل ما له صلة بها، منها مثلا، الحلي والأواني الفخارية والنحاسية وديكور المنازل الداخلي، من الأثاث والمرايا والأفرشة وغيرها، علما أن هذه اللوحات ذات الشكل المستطيل أو البيضوي أو الدائري، هي جميعها من الخشب (ذي الأصل الإندونيسي).
أما الألوان، فهي في أغلبها مائية، تُطلى حين جفافها بملمع خاص، تُستمَد من الطبيعة والتراث، وغالبًا ما يفضل هذا الفنان الألوان المضيئة والمبهجة، ونادرا ما يختار تلك الألوان الداكنة أو المظلمة التي تعطي لمسة كآبة لأعماله، مؤكدا أنه يتجنبها قدر المستطاع، كما أن هذه الألوان الداكنة، حسبه، لا تتماشى ومضامين لوحاته التي تزرع الأمل وتنشر الجمال والفرح.
وفي ركن خاص في المعرض، وُضعت لوحات من الحجم الصغير، تعكس معالم مختلفة من القصبة، مع مظاهر أخرى من تراثها ويومياتها، شدت الجمهور الداخل مستفسرا عن أثمانها قصد اقتنائها. وهنا أشار الفنان بني كوس، إلى أن بعض المغتربين دخلوا المعرض لاقتناء هذه الأعمال، سواء قطع الديكور أو اللوحات، لحملها إلى ديار الغربة، كنوع من "ريحة البلاد"، وللترويج لتراث الجزائر، وكذلك الحال مع السياح الأجانب، وذكر منهم ألمانًا وفرنسيين أُعجبوا بهذا الفن المستلهَم من تاريخ الجزائر ومن طبيعتها الفاتنة.
وفي لوحات أخرى، عرض الفنان بعضًا من النباتات التي ارتبطت بالبيوت الجزائرية، منها دويرات القصبة، كالورد والياسمين و"الحبق"، وغيرها من نباتات الزينة، وكذلك الحال بالنسبة للطيور، حيث أبدع في رسم العصافير المزركشة مع لوحة كبيرة خصصها للطاووس، هذا الطائر الذي سكن بيوت وجهاء الجزائر وقصورهم في الحواضر.
ونتيجة الطلب عليها، أعاد الفنان بني كوس عرض لوحته الجدارية "الكرنفال"، المستمَدة من لوحة بيكاسو، إذ أعاد تشكيلها بطريقته، بدقة وانسجام بالغين، وانفجار في الألوان.
الزخرفة والتزهير.. نكهة من ذاكرة الأجداد
كما ضم المعرض فضاء للديكور، مخصَصا للزخرفة على الخشب، منها الموائد وطاولات الديكور الصغيرة، التي توحي بالقعدات العاصمية القديمة، والعلب وصناديق الأثاث المخصَصة لمحتويات البيت، من مؤونة أو ملبس، ومنها الخاصة بجهاز العروس وبالمجوهرات، طغى عليها أسلوب التزهير. وعن هذا الفضاء من المعرض، قال الفنان "دخلت معرضي سيدة طاعنة في السن، وعندما رأت بعض الصناديق بكت، وحين سألتها، ردت أنها تذكرت أيام زمان، وشكرته على التزامه بالزخرفة العاصمية التي سادت زمن الأجداد".
للإشارة، خصص الفنان أيضا ركنًا للشباب، من خلال لوحات خشبية مرسومة بالأبيض، على خلفية سوداء، أو العكس، تتضمن مشاهد مقابلات كروية أو رقصات وغيرها. وأثار الفنان خلال حديثه لـ"المساء"، مسألة التكوين، علما أن البعض يقصدونه حين إقامته المعارض من أجل تكوينهم، لكنه رفض، كما رفض طلبات بعض مدارس التكوين، لأنه يرى أن الفن إبداع وبحث، قبل أن يكون تلقينا.