اختتام أيام بن قطاف المسرحية بالنعامة
"واحد من الجمهور" يتوج بأحسن عرض متكامل
- 208
مبعوثة "المساء" إلى النعامة: دليلة مالك
أسدل الستار على فعاليات الدورة الثانية من أيام بن قطاف المسرحية، التي احتضنتها ولاية النعامة من 10 إلى 14 أكتوبر الجاري، بتتويج مسرحية "واحد من الجمهور" من تقديم الجمعية الثقافية حلم الفن من وهران، بجائزة أحسن عرض متكامل، وذلك في ختام تظاهرة ثقافية جمعت جمعيات وفرقا مسرحية من مختلف ولايات الوطن.
جاء تتويج "واحد من الجمهور" تقديرا لتكامل عناصر العمل المسرحي، من أداء وإخراج ورؤية فنية، وما يعكسه من قيمة العمل الجماعي في صناعة الفرجة المسرحية.
كما عادت جائزة لجنة التحكيم إلى مسرحية ""محكمة سيفار"، نصا وإخراجا للفنان إسلام شريط، فيما تقاسم يونس ولهماصي وأمين حوحة جائزة أحسن أداء رجالي مناصفة، وتُوّجت الممثلة داود آية ريحانة بجائزة أحسن أداء نسائي، تقديرًا لأدائها وحضورها الركحي.
لم تكن هذه التتويجات مجرد إعلان عن أسماء الفائزين، بل شكلت محطة للاحتفاء بتجارب مسرحية شابة وطاقات إبداعية واعدة، وجاءت لتؤكد أن خشبة المسرح تظل فضاء لاختبار القدرات الفنية، وتبادل التجارب، وفتح آفاق جديدة أمام الممارسين، رغم ما قد تواجهه بعض الأعمال من تحديات تتعلق بالنص والإلقاء والتكوين.
وفي سياق التظاهرة، برزت العلاقة بين المسؤولية المؤسساتية والإيمان بدور الثقافة في المجتمع، من خلال تأكيد أهمية توفير الدعم والإمكانات اللازمة لإنجاح المبادرات المسرحية،. وقد عكست الرعاية التي حظيت بها هذه الأيام، وما رافقها من تسخير للإمكانات المحلية، إرادة في جعل الثقافة جزء من الحركية التنموية للولاية، ومنح الفنانين فضاء يلتقون فيه بالجمهور ويتقاسمون معه أسئلتهم وانشغالاتهم.
في مداخلة حملت أبعادا شخصية وفكرية، استحضر الأمين العام للولاية تجربته مع المسرح منذ مراحل الدراسة الابتدائية والمتوسطة والثانوية، مرورا بمشاركته في عروض مسرحية، وصولا إلى التحاقه بالمدرسة الوطنية للإدارة، مؤكدا أن المسار المهني لم يطفئ شغفه بالفن الرابع، وأن كل فرصة تقرّبه من المسرح تظل بالنسبة إليه فرصة تستحق التمسك بها.
وتوقف المتحدث عند دلالة مسرحية "واحد من الجمهور" معتبرا أن الجمهور ليس مجرد متلقٍّ سلبي، بل هو جزء من المشهد الإنساني والاجتماعي، فكل فرد يؤدي أدوارا متعددة في حياته اليومية، داخل الأسرة والمدرسة والشارع ومختلف فضاءات المجتمع، ومن هذا المنطلق، يغدو المسرح مرآة للحياة، يستلهم منها موضوعاته ويعيد طرح أسئلتها على الخشبة.
كما شدد على أن دور المسرح لا ينفصل عن مشروع بناء الدولة والمجتمع، معتبرا أن الاستثمار في الإنسان وتنمية قدراته الثقافية والفكرية يمثلان ركيزة أساسية لأي مشروع تنموي، فالمسرح، وفق هذا التصور، ليس ترفً ثقافيا، وإنما وسيلة للإسهام في بناء الوعي وتعزيز القيم الاجتماعية وترسيخ مكانة الثقافة ضمن مسار بناء الجزائر.
من جهتها، قدمت لجنة التحكيم جملة من التوصيات التي استندت إلى متابعتها لمختلف العروض المشاركة، حيث اعتمدت في تقييمها على قراءة شاملة لمكونات العرض، شملت النص والأداء والحضور الركحي واللباس والديكور والإكسسوارات والموسيقى، إلى جانب العلامات البصرية والسمعية، والنقاشات التي رافقت عملية التقييم.
كما ثمّنت اللجنة الأجواء التي ميزت هذه الدورة، خاصة روح التعاون والتآزر بين المنظمين، وحسن الاستقبال الذي حظي به المشاركون في ولاية النعامة، كما أشادت بمبادرة الاستعانة بالأساتذة والمختصين في المجال المسرحي، وبفكرة تنظيم الورشات التكوينية والأيام الدراسية، معتبرة أن هذه المبادرات تمثل أرضية مهمة لتطوير التجارب المسرحية وتعزيز تبادل الخبرات بين الفنانين والجمعيات.
دعت اللجنة إلى دعم أيام بن قطاف المسرحية ماديا ومعنويا من طرف وزارة الثقافة والفنون وولاية النعامة، مع الحرص على توسيع المشاركة النوعية للجمعيات والتعاونيات المسرحية عبر الوطن، بما يسمح بتعزيز التواصل بين التجارب المختلفة وترسيخ التظاهرة ضمن المواعيد الثقافية الوطنية.
كما أوصت بمواصلة تنظيم فضاءات مخصصة لمناقشة العروض المشاركة، والاستعانة بخبراء لإعداد أوراق نقدية مكتوبة وإدارة النقاشات، حتى يتمكن الفنانون من الوقوف على نقاط القوة والضعف في أعمالهم والاستفادة من الملاحظات النقدية في تطوير تجاربهم المقبلة.
وفي الجانب الفني، سجلت اللجنة وجود طاقات واعدة في التمثيل والحضور فوق الخشبة، لكنها نبهت إلى نقائص في بعض النصوص، خاصة من حيث البناء الدرامي، فضلا عن ضعف الإلقاء في عدد من التجارب، ودعت، في هذا السياق، إلى إيلاء عناية أكبر لاختيار النصوص المحكمة التي تنبع من الواقع الاجتماعي الجزائري، وتكثيف التكوين في الإلقاء والأداء المسرحي.
شددت التوصيات كذلك على ضرورة توظيف الرموز والدلالات والطقوس والمفردات المسرحية بوعي فني ومعرفي، وتجنب الاستخدام غير المبرر للعنف البدني والإكسسوارات الحادة، أو إشعال النار دون توفير شروط السلامة الضرورية، مؤكدة أن كل عنصر يوضع على الخشبة ينبغي أن يؤدي وظيفة فنية ودلالية واضحة.
وعلى امتداد أيامها، شكلت التظاهرة فرصة للقاء فنانين ومسرحيين من ولايات عدة، من بينها سيدي بلعباس وعين تموشنت وأفلو ووهران، في فضاء أتاح تبادل التجارب والاحتكاك الفني، إلى جانب إبراز المواهب المحلية وفتح المجال أمام نقاش جاد حول واقع الممارسة المسرحية وآفاق تطويرها.
كما نوهت لجنة التحكيم بدور المنظمين والتقنيين وأعوان الأمن وكل المساهمين في إنجاح هذه الفعالية، وأشادت بحضور الإعلام الوطني ووسائل التواصل الاجتماعي في مواكبة العروض وتوثيق تفاصيلها، باعتبار أن التوثيق الإعلامي جزء من حفظ الذاكرة الثقافية ونقل أثر التظاهرات الفنية إلى جمهور أوسع.
وبين فرحة التتويج وصرامة التوصيات النقدية، اختتمت أيام بن قطاف المسرحية طبعتها الثانية برسالة تتجاوز حدود المنافسة: فالمسرح لا يُقاس بالجوائز وحدها، بل بما يتركه من أثر في الفنان والجمهور والمجتمع، وبقدرته على تحويل الخشبة إلى مساحة للحوار والتفكير والتعبير عن الإنسان.
ومع إسدال الستار على هذه الدورة، يبقى الرهان على تحويل التوصيات إلى خطوات عملية، تضمن استمرارية التظاهرة وتطويرها، وتمنح المواهب الشابة فرصا أكبر للتكوين والاحتراف، حتى تظل النعامة فضاء يحتضن الإبداع، وتظل أيام بن قطاف موعدا يتجدد فيه اللقاء بين المسرح وجمهوره، وبين الفن والإنسان.