” العربـي بن مهيـدي” يعـرض بـأوبرا الجـزائـر

مواقف وعبر وإسقاطات على الراهن

مواقف وعبر وإسقاطات على الراهن
  • 683
مريم. ن مريم. ن

احتضنت “أوبرا الجزائر”، سهرة أوّل أمس، العرض الشرفي الأوّل لفيلم “العربي بن مهيدي” للمخرج بشير درايس، بعد سنوات من الانتظار والسجال، وخلال ساعتين من المشاهدة حقّق العرض تجاوبا منقطع النظير من حشود الحاضرين، وتمكّن من تحقيق التميّز وتجاوز القوالب التي ارتبطت بالأفلام الثورية وكان درايس في أوجّ سعادته بهذا النجاح والتصفيق، واغتنم الفرصة للمطالبة بالدعم لتسويق الفيلم عبر العالم لإدانة كلّ مستعمر خاصة في ظروف الراهن التي تعرفها غزة.

تزامن العرض والذكرى الـ67 لاستشهاد العربي بن مهيدي، هذا البطل الذي كان ولايزال يحقّق الإجماع ويوفّق حين ذكره بين الجزائريين، ولمكانته توافدت حشود من المشاهدين من مختلف الشرائح والأجيال لمتابعة العرض الذي دام قرابة ساعتين، في صمت رهيب رغم بعض التصفيق الحار على بعض المشاهد تأكيدا على تثمينها وصلاحها لكلّ زمن وحين.

يبدأ الفيلم من نهاية حياة الشهيد أي في مرحلة تعذيبه الشنيع وبمشاهد مروعة وقّعها أكبر القادة الفرنسيين وعلى رأسهم أوساريس وبيجار وغيرهما، سرعان ما يرجع الفيلم بأحداثه إلى مرحلة الطفولة، حيث كان العربي يجول ويصول في أراضي الدوار الشاسعة ذات الطبيعة الغنّاء وهو يرتبط بحصانه الذي يمتطيه للانطلاق عبر السهوب والوديان والحدائق الغنّاء غير مهتم بأيّ حواجز أو حدود، عاشقا لحريته، وتبرز أيضا حياة عائلته الريفية بيومياتها البسيطة، وحين يصل الطفل العربي للبيت يسمع والديه يتحدّثان عن مستقبله وكيف سيكون وكذا كلّ العائلة بعد مغادرة الأرض بسبب “الحجز” المفروض من الضرائب الاستعمارية، فتنتقل العائلة إلى بسكرة تتبع الوالد عبد الرحمن الذي لم يكن في وسعه سوى قبول تسويات الخزناجي، علما أن العربي يرفض ترك الأرض ثم يطلق دعاءه المجلجل ضدّ فرنسا في صلاة الجماعة والمصلون يؤمون دعاءه، ما يثير افتخار والدته(الفنانة ليديا لعريني).

الوعي الوطني والاندفاع

يتأقلم الطفل مع الحياة الجديدة بالمدينة الكولونيالية ويدخل المدرسة ويصاحب زميلا سيكون رفيقه في السلاح، الذي يكتشف معه حياة الرغد عند المعمرين والبؤس عند بني جلدته، الأمر الذي يؤلمه ويزيد في ثورته على المستعمر.يزداد الوعي الوطني عند هذا الطفل في الكشافة التي ترعاه بالنصيحة والإرشاد والحكمة وتطرح له رفقة باقي الصبيان الطريق الصحيح للتعامل مع العدوّ، لكن والدته التي تعرف اندفاعه تهدّده في كلّ مرة طالبة منه أن يستمر في دراسته، وكان لها ذلك حيث يسافر للدراسة، ثم يبدو العربي شابا يقف على المسرح لأداء أدوار تزرع الوعي عند الجمهور الحاضر رغم عيون الجواسيس.تظهر في الفيلم أيضا قصة حب راقية بينه وبين زميلته التي يثق فيها وتتألم لابتعاده مفضّلا عنها قضية تحرير الجزائر، كما يتضمّن الفيلم الكثير من المشاهد التي تبرز علاقة الشهيد بأسرته خاصة مع أمه وإخوته، فقد كان يرعى الجميع ويشدّد على إخوته في الدراسة مع لقطات أخرى من المرح والمشاكسات وغيرها، علما أنّ الفيلم ركّز أكثر على الأخ الأصغر الشهيد الطاهر والأخت الصغرى ظريفة، كما يبدو سي العربي أيضا في الأوساط العلمية منها تردّده على المكتبة العلمية.

تحدي المستعمر والإصرار على الكفاح المسلّح

يظهر العمل النضالي الذي يمارسه بن مهيدي الشاب سرا وحضوره اجتماعات تعقد خفية يبرز فيها دفاعه عن الجزائريين، ليصل إلى خروجه في الصفوف الأمامية في مظاهرات 8 ماي 45 بصدر عار أمام قوات الشرطة والكولون رافعا العلم الجزائري ليتم بعدها القبض عليه والزجّ به في سجن مرعب مع غيره من الجزائريين، ما يجعل أمه تنهار وحين يتدخّل الخزناجي لفكّ أسره يرفض العربي الوساطة ويتمسّك بضرورة إطلاق كلّ السجناء معه خاصة حينما يموت فتى معتقل تم تعذيبه وفقد عائلته في الأحداث. وبعد خروجه من السجن مع رفيقه الوفي (يوسف سحايري) يعودان للنشاط السياسي السري، ثم يعبّر عن استعداده للعمل المسلح إلى أن تأتيه الفرصة ويختاره المناضل بلوزداد كمسؤول للمنظمة السرية ببسكرة.من المشاهد القوية التي هزّت القاعة تصفيقا، مرافعة الشهيد بن مهيدي (أبدع خالد بن عيسى فيها) عن الجزائريين أمام لجنة فرنسية في أحد المواعيد الانتخابية سنة 1947 مذكّرا بتاريخ فرنسا الأسود بالجزائر، مرحلة بعد مرحلة، ما كلّفه هو وزميله ثمن ضرب مبرح من قوات الشرطة الخاصة، لكن ذلك لم يؤثر فيهما وبقيا يضحكان كنوع من تحدي المستعمر، وبينما يقول له صديقه المجروح “راحوا الكلاب” يرد بن مهيدي “حاشا الكلاب”، لكن أمّه ككلّ مرة تنصحه خوفا عليه وتغمره بالحنان وهي تداوي جروحه، كما أنّه يرفض كلام أمه حينما تكلمه عن الزواج قائلا “يوم الاستقلال سأريك المرأة التي أحبّ أن أتزوجها”، وبالمقابل يهتم بأخته الصغرى ظريفة ويحثّها دوما على مواصلة تعليمها إلى أن تصبح تؤدي بعض المهام في الثورة منها توصيل الوثائق .

..”إذا متنا دافعوا عن ذاكرتنا”

يبرز الفيلم أيضا العديد من مهام الشهيد عبر عدّة مناطق قبل الثورة، إضافة لالتزامه الديني وأدائه بخشوع للصلاة، ثم توليه التحضير للثورة وتوعية الشعب بها خاصة ببسكرة، والتقائه مع القادة منهم بوضياف، ثم انكشافه للسلطات الفرنسية الأمر الذي يجبره على التخفي والانضمام للمنظمة الخاصة والتحاقه بالجبل لتحضير 1 نوفمبر 1954 ثم اجتماع الستة والصورة الجماعية التي يصفّق لها الجمهور مطوّلا.

تأتي بعدها مرحلة الثورة وهي أهم مرحلة في الفيلم، حيث تبرز مواقف الشهيد من مصالي الحاج ومن التفاوض مع فرنسا في بداية الثورة لترك السلاح، حيث يبدو صارما وثائرا وكأنّه يخاطب الجمهور مما يعيد كرَّة التصفيق الحار، علما أنّ الجمهور كان يقف مع كلّ لقطة بها مقولة أو موقف للشهيد ويحييها لتكاد القاعة الكبرى تهتز من التجاوب ومن الزغاريد. وظهرت ليلة 1 نوفمبر 1954 متميّزة حيث كان جنود جيش التحرير يحتفلون غير آبهين بصوت المذياع الذي يعدّد الخسائر المسجّلة، كدليل على انتصار الثورة منذ بدايتها.

يتوسّع نشاط بن مهيدي في المشاهد المقبلة وتعاونه وتزكيته لبعض الأسماء منها ياسف سعدي، وكذا سفره للقاهرة لالتقاء الوفد الخارجي وصراعه مع بن بلة في حين بدا مدى حبّه وحزنه لاستشهاد صديقه ديدوش مراد مردّدا مقولته “إذا متنا دافعوا عن ذاكرتنا”، وكذا موقفه من الحلول الفرنسية المشبوهة منها “الصوت الثالث” وكان يردّد “نسحقوا السلاح ماشي الهدرة” التي صفّق لها الحضور أيضا.

صارم وثائر.. جامع وموفِق

من أفكار الشهيد التي ركّز عليها الحوار دفاعه عن فكرة أولوية الداخل على الخارج وتحفّظه من الوفد الخارجي بالقاهرة وتحديه بالقول “نعقد مؤتمر الصومام بيكم ولا بلا بيكم” وبالتصفيق أيضا، ثم استعراض بعض المعارك كان فيها الشهيد بلباسه العسكري، وصولا لمؤتمر الصومام الذي توقّف عنده الفيلم مطوّلا مع قادته المشاركين والسجالات التي حصلت فيه خاصة مع عبان رمضان وأوعمران وبوالصوف وزيغود يوسف ثم اقتراح بن مهيدي أمينا عاما للمؤتمر حيث كان دوما هو الجامع والموفق بين هؤلاء جميعا، كما دافع عن من هم بالخارج وكذا الأجانب أصدقاء الثورة. وكان الشهيد أيضا مخطّطا لمرحلة ما بعد الاستقلال ليقول لأخيه الطاهر الذي أراد حمل السلاح (استشهد لاحقا) “نحتاج لرجال قاريين ماشي مسلحين تعلم كي لا نحتاج حينها لفرنسيين آخرين”.دخول سي العربي القصبة ومشاركته في معركة الجزائر وإضراب الـ8 أيام وغيرها من الأحداث التي يخطّط فيها لضرب المستعمر في يومياته وعدم الخروج من العاصمة كي لا تضرب مصداقية الثورة عند الشعب، ولا تخلو المشاهد من بعض المواقف الطريفة وكذا الحزينة حين بكاء العربي على أخيه الشهيد، وكذا متابعته ومواقفه من الأحداث الكبرى كاختطاف طائرة قادة الثورة وسجالاته المستمرة مع رفقائه خاصة مع عبان وصولا لظروف اعتقاله ثم تعذيبه الوحشي وقبلها موقفه الثابت أمام الصحافة وهو يرددّ أغنية “صديقا مكانه سيخرج من الظل” وابتسامته المعروفة ومراحل التحقيق حتى الإعدام شنقا مع محاكاة كلّ الصور والتسجيلات الحقيقية وقوله “انتم تعذبون ونحن نصمد” و"العالم كلّه يعرف أنّ الجزائر سوف لن تكون أبدا فرنسية”.

ما ميّز الفيلم هو المناظر الطبيعية الخلابة والديكور واللباس الذي يحاكي تلك الفترة، وعدم الاعتماد على السرد الكرونولوجي الجاف، والابتعاد عن الخطاب المباشر.

للإشارة، عرف العرض، حضور رئيس مجلس الأمة السيد صالح قوجيل الذي كرم المخرج بشير درايس، إلى جانب حضور وزيري الثقافة والفنون والمجاهدين وممثل عن رئيس الجمهورية وعدة شخصيات ثقافية وفنية وثورية وشقيقة الشهيد السيدة ظريفة بن مهيدي، كما حضر طاقم الفيلم بما فيه الأجانب، علما أن سيناريو الفيلم كتبه عبد الكريم بهلول عن نص لمراد بوربون، كما جسّد الممثل خالد بن عيسى دور شخصية العربي بن مهيدي إلى جانب كل من محمد فريمهدي ويوسف سحايري وفتحي نوري وسمير الحكيم وليديا لعريني وغيرهم، وقد تم تكريمهم على المنصة الكبرى للاوبرا عقب نهاية الفيلم .


وزير المجاهدين وذوي الحقوق: سيرة أبطال الثورة.. أمانة

ثمّن وزير المجاهدين وذوي الحقوق، العيد ربيقة، العرض وقال إنّ سيرة أبطال الثورة هي أمانة، ومن الواجب تسجيلها فهي تمثّل رجوعا لقيمنا الوطنية ولثوابتنا، مضيفا أنّ الفيلم يتناول حياة قائد عملاق في ثورتنا فهو صاحب الابتسامة التي هزّت جيش المحتل والذي قال لجلاده “نموت ولا نخون”.

كما أثنى الوزير على التعاون مع وزارة الثقافة والفنون، مؤكّدا استحالة الإلمام بكلّ جوانب مسيرة هذا الشهيد الرمز، وقال إنّ الفيلم يندرج في إطار حفظ الذاكرة الوطنية، متوقّفا عند رسالة الرئيس في يوم الشهيد الذي دعا الفنانين والسينمائيين لتجسيد هذه الذاكرة في أعمال سينمائية.

من جهتها، أكّدت السيدة مولوجي أنّ العرض فاتحة خير نحو أفلام ذات جودة وقيمة عالمية مثمّنة التعاون بين مختلف القطاعات .

بشير درايس (مخرج الفيلم):

عبّر مخرج “العربي بن مهيدي” عن فرحته بنجاح الفيلم بعد تجاوب الجمهور الحاشد معه مردّدا “الفيلم أعجبكم، وأنا الذي قيل عني أنني حرّفت تاريخ الثورة وتاريخ بن مهيدي لكنكم رأيتم بأعينكم الحقيقة”، كما طالب بدعم الفيلم لعرضه عبر العالم، لأنّه يمثّل موقفا مناهضا للاستعمار وراهن العالم اليوم خاصة مع أحداث غزة تشجّع على هذا الاختيار، خاصة فيما تعلّق بوحشية التعذيب واستهداف الأبرياء.

بالمناسبة، شكر المخرج كلّ أبطال العمل وكاتب السيناريو والتقنيين وعائلة بن مهيدي وعزوز حساني، كما أكّد المتحدّث في تصريح عقب العرض أنّ التاريخ لا يكفي أن نقدّمه بل يجب الحرص على تقديمه دون تشويه ولا كذب ولا تجميل ولا قدسية، مشيرا إلى عدّة جوانب مهمة يجب مراعاتها في تقديم التاريخ منها الجوانب الجمالية والسوسيولوجية وكذا العاطفية (قصة حب) كما كان الشأن مع الشهيد بن مهيدي. عن الديكورات قال إنّ 90 بالمائة منها منجز ما عدا حي القصبة.

خالد بن عيسى (العربي بن مهيدي في الفيلم):

تمنى بطل الفيلم خالد بن عيسى أن يكون قد وُفّق في أداء هذه المهمة وأن يكون في مستوى الدور الذي أداه لشخصية محورية في تاريخنا المعاصر وأن يكون قد أوصل الرسالة للشباب.قال بن عيسى إنّه عندما اقترح عليه الدور تخوّف كثيرا، على اعتبار أنّ بن مهيدي له مكانة خاصة عند الجزائريين، لكن هذا الخوف تحوّل لتحد وعمل ملموس أثمر هذا الدور في الفيلم، علما أنه اجتهد في قراءة الكتب وتفحّص الأرشيف ومقابلة من عرف الشهيد لتعزيز أدائه في الفيلم، وهنا توقّف عند بعض النقص فيما يتعلّق بحياة هذا الشهيد، وعوّض ذلك باجتهاده من خلال ما توفّر لديه، واعتماده على رمزية هذا الرجل والإجماع حوله وامتداد أفكاره لما بعد الاستقلال، مضيفا أنّ التصوير بدأ في 2015 وعلّق قائلا “الشغل المليح يطول”. م. ن

مبروك فروجي (زيغود يوسف في الفيلم):

قال الفنان مبروك فروجي لـ"المساء” إنّه خرج من عمق الأوراس وبالتالي فهو مرتبط في أدائه بالثورة وتاريخ قادتها، وعن حالة ثورته وانفعاله في الصومام أشار إلى أنّه جسد موقفا تاريخيا لشخصية زيغود يوسف لكنّه ظهر في مواقف أخرى هادئا.

الفنان مناد مبارك (القائد أوعمران):

أدى مناد مبارك دور القائد أوعمران وأغلب المشاهد كانت خلال مؤتمر الصومام، حيث كان الديكور رائعا، وقال لـ"المساء” إنّ الدور كان ثقيلا بثقل وأهمية هذا القائد الوطني، وكان الالتزام بشخصية وكاريزما هذا العسكري الصارم مع مراعاة جانب التوازن في الشخصية بين مهامه العسكرية ومسؤولياته السياسية.