رحلة فنية لكمال بلطرش وماريا إلتسوفا برواق راسم

من وجع الفقد إلى جمال اللوحة

من وجع الفقد إلى جمال اللوحة
كمال بلطرش وماريا إلتسوفا
  • 202
لطيفة داريب لطيفة داريب

"عبور" ليس مجرد عنوان معرض الرسامَين الزوجين ماريا إلتسوفا وكمال بلطرش المقام حاليا برواق محمد راسم، ولا حتى تعريف بمسارهما الفني الثري والطويل، بل هو، أيضا، تعبير عما مرَّا به طيلة ثلاث سنوات؛ بسبب مرض ابنهما، ثم رحيله، رحمه الله.

مرّ كمال بلطرش وزوجته ماريا إلتسوفا بأوقات عسيرة جدا بفعل مرض ابنهما، ومن ثم وفاته، رحمه الله. لكن إيمانهما بالقدر وتسليمهما لخالقهما كان سلاحهما الذي واجها به هذه المصيبة. كما وجدا في الرسم وسيلة للتعبير عن هذا الفقدان، فرسما عدة لوحات يعرِضان البعض منها في معرضهما "عبور" الذي تتواصل فعالياته الى غاية 18 أوت الجاري.

وبالمناسبة، قال كمال بلطرش لـ "المساء" إنه رسم خلال مرافقته لابنه الذي كان مريضا، عدة رسومات بالقلم عن القصبة، قد تتحول، في وقت لاحق، الى لوحات مرسومة بتقنية الرسم الزيتي أو الأكوارال. وقد يضيف إليها رسومات. كما قد يحذف منها أخرى، كل هذا في علم الغيب، وحسب إحساس وإلهام الفنان. كما رسم الفنان لوحات جديدة في السنة الجارية، من بينها ثلاث رسمها مستلهما من ملصقة شارك بها في مسابقة المهرجان الثقافي الإفريقي، الذي احتضنته الجزائر عام 2009.

وقال كمال عن لوحاته الثلاث إنها تمثل تراث الطاسيلي، الذي يؤكد عراقة تاريخنا، وكذا قدرة الجزائري منذ أزل بعيد، على التعبير بالرسم؛ أي أنه فنان بالفطرة، ليس اليوم فقط، بل منذ زمن سحيق، مضيفا أنه زوّد هذه الرموز بالألوان التي يعتمد عليها في العادة، مثل الأزرق والأصفر والأحمر. لوحات جديدة أخرى لبلطرش زيّنها بالرموز الأمازيغية، فجاءت أغلبها في حلّة حمراء، وهو اللون الذي قال عنه الفنان " لون الجزائر " ؛ فهو لون الأمازيغ الذي يحتفون به بكل تنوعاتهم.

رسم الفنان أيضا في سلسلته هذه عن الرموز الأمازيغية، لوحة غمرها بلون أزرق قاتم على غير عادته. وفي هذا قال إنه رسمها في وقت كان ولده المريض يمر بظرف صعبة، وأنه لن يرسم مثلها أبدا. وفي لوحاته الجديدة هذه وضع كمال رمز الدائرة، ويقصد به الوقت وإدارته، وكذا التاريخ القديم للجزائر العريقة. كما يعرض الفنان صورا التقطها في فترة الكوفيد؛ وكأنها منجزة بتقنية ثلاثية الأبعاد، حتى إنها تظهر بشكل مختلف حينما يخترقها الضوء. ونجد لوحات رسمها كمال بتقنية الرسم المائي لأبواب القصبة، كان عرضها في معارض سابقة. ونفس الأمر بالنسبة للوحات التي فاز بها بجائزة في مسابقة رسم بريطانية.

ماريا.. لوحات تنبض بجمال الجزائر

أما عن ماريا فتعرض، هي الأخرى، مجموعة معتبرة من اللوحات، بعضها جديد. وبعضها تم عرضه سابقا، من بينها لوحات صغيرة الحجم (20 على 20)، قالت عنها في حديثها مع "المساء" ، إنها رسومات أنجزتها في لوحات صغيرة وظريفة بتقنية الأكريليك، موضوعها ...الجزائر العاصمة بكل تنوعاتها، حيث امتزج اللونين الأبيض بالأزرق. وأضافت: "يا له من مزيج رائع! حقا حينما أضع اللونين الأبيض والأزرق في لوحة واحدة يحدث ذلك التناغم الذي يضفي عليها جمالا أكبر". 

أما عن مجموعة لوحاتها حول مسمكة الجزائر، فذكرت ماريا أنها كانت تزور المسمكة رفقة زوجها كمال ليلا ونهارا. والنتيجة لوحات تعكس جمال المسمكة ببحرها الأزرق، ومراكبها المصطفة، وصياديها أصحاب الخبرة، مضيفة أنها لم ترسم في عين المكان وإنما التقطت مجموعة من الصور للمناظر التي رغبت في رسمها. وأشارت الفنانة الى بحثها عن اللون الأزرق المناسب لمثل هذه المناظر، خاصة أن الألوان بالنسبة لها، هي جزء كبير من الذاكرة. كما قدّمت ماريا لـ "المساء" تفاصيل أخرى عن بقية لوحاتها، مثل البورتريهات التي رسمتها حول التوارق، وكذا المتعلقة بالنساء؛ مثل رسمها امراة قبائلية وأخرى تضع الحايك وغيرهن.

رسمت الفنانة أيضا مجموعة من اللوحات عن القصبة. وذكرت بالمناسبة أنها تزور المحروسة في كل مرة، وأنها تشعر حينما تطأ قدماها هذه الأرض الطيبة، أنها في قلب مدينة تاريخية وأصيلة بروح عميقة وخالدة. ودائما عن القصبة، رسمت ماريا لوحة تتدلى فيها الأزهار على مباني القصبة، أضفت عليها شيئا من الأسلوب الانطباعي، بيد أنها اختارت الأسلوب الواقعي لرسم مباني القصبة المطلة على البحر. وتعرض ماريا في هذه الفعالية لوحة عن جزء من ساحة مقابلة للبريد المركزي، حيث يوجد محل لبيع الأزهار، أرادت أن ترسم هذا المنظر دون ناس؛ في هدوء تام، وسكينة مرّحب بها. 

كما رسمت لوحة عن غرداية التي أرادتها مليئة بالألوان، حتى إنها اختارت اللون الأزرق الغامق لتلوين سمائها. ولوحة عن شروق الشمس الذي لوّن البنايات المقابلة باللون الأحمر، علاوة على مجموعة من اللوحات رسمتها سابقا عن التوارق، معتمدة على عدة تقنيات، من بينها اللصق، حيث وضعت رسومات متعلقة بالتوارق على قصاصات الجرائد والكتب.

ورغم الحزن الذي رافق ماريا خلال مرافقتها لابنها في مرضه، إلا أنها رسمت العام الماضي، مجموعة من اللوحات عن الأزهار بمختلف أنواعها، فكانت بحق عنوانا للجمال في عز الألم، وصيحة للحياة رغم كل شيء. ماريا قالت لـ "المساء" إنها تشكر الله لأنه وهبها هذا الشغف، فالرسم بالنسبة لها ليس وسيلة للتعبير فحسب، بل فرصة للتخفي في عالم ساحر. أيضا الرسم بالنسبة للفنانة علاج لضرر النفوس، ومناسبة للاسترخاء. أبعد من ذلك، فهو دعم ودعامة في هذه الحياة.