وليد دروش يعرض بالمعهد الفرنسي
منحوتات تتزيّن برموز من تراثنا وتُبهر الجمهور
- 172
لطيفة داريب
"خمسة” هو عنوان معرض الفنان وليد دروش المقام حاليًا بالمعهد الفرنسي بالجزائر إلى غاية الثالث أكتوبر. أبرز فيه تمازج خمس منحوتات مع رموز من تراثنا الجزائري، وهي القردون، والغربال، والفتلة، والسجّاد والرافيا.
أسّس الفنان وليد دروش روابط بين فنّ النحت والنسيج وعناصر أخرى من تراثنا العريق، من خلال عرضه خمس منحوتات في شكل نساء يضعن شيئًا من الفتلة والقردون والرافيا وحتى الغربال. وهي موادّ نجدها تقريبًا في كلّ بيت جزائري. فبين الإبداع والحرف اليدوية استطاع الفنان أن يؤسّس هذا التواصل الذي حوّل المنحوتات إلى وسيلة للتعريف بعناصر من التراث الجزائري، وتحويلها إلى أعمال فنية، تعبّر، بالفعل، عن عاداتنا، وخصوصياتنا. وهكذا انتقل وليد من التصميم إلى النحت، فالموضة، ليس بحثًا عن نفسه، بل عن الفروق الدقيقة بين كلّ هذه العوالم، وتحقيق ما يتشارك بينها، فلم يقتصر على عنصر واحد للتعبير عمّا يريد، بل اختار عدّة عناصر مألوفة لدينا، وجسّدها بشكل فريد من نوعه.
الرافيا التي تُصنع بها القبّعات وغيرها، والفتلة، والسجّاد، والقردون، والغربال، كلّ منها له مكانته في بيوت العائلات الجزائرية، لكنّه عرف تحوّلات كبيرة في معرض وليد، الذي قال إنّه “لا يُلبِس المنحوتة، بل ينحت الثوب” ؛ فالمادّة هي التي تفرض نفسها على الشكل وليس العكس.
بالمقابل، يُعد هذا المعرض امتدادًا مباشرًا لبحث بدأ منذ عامين مع سلسلة “وضعيات” التي قُدِّمت في بينالي الجزائر وفرنسا حول التصميم (الديزاين)، والتي تناول فيها وليد موضوع وضعية الجسد التي رآها لغةً قائمة بذاتها، فالطريقة التي يستقرّ بها الجسد أو يقاوم أو يستسلم في الفضاء، تمثّل وسيلة للتعبير أكثر من الإيماءة في حدّ ذاتها، وهكذا تزيّن إحدى منحوتات وليد حديقة المعهد الفرنسي بالجزائر.
عودةً إلى معرض “خمسة” الذي يتشكّل من خمس منحوتات في شكل نساء، كلّ واحدة منهنّ مزيّنة بمادّة تمّ تحويلها عن وظيفتها الأصلية، لتصبح درعًا، أو زينة، أو جلدًا ثانيًا.
نذكر “الفتلة” التي غطّى بها وليد المنحوتة، ليظهر هذا الخيط الذهبي في شكل حراشف؛ وكأنّه جلد ثانٍ لها، أليس المخلوق ضعيفًا وقويًّا في آن واحد؟!.
أمّا القردون فوضعه الفنان في شكل دائري متكرّر، ليجسّد انسجامًا كبيرًا بينه وبين المنحوتة، بينما استعمل في منحوتة ثالثة سجّادًا نُسج منذ 70 عامًا، ويمثّل بحقّ، جزءًا من تراثنا العتيق، لكنّه لم يخضع، على عكس الموادّ الأخرى المستعملة، لأيّ معالجة.
وبالنسبة للرافيا، اعتمد هنا وليد على تقنية “التضفير” ، ليُظهر المنحوتة وكأنّها معلّقة في الهواء، في حين تحوّل الغربال المصنوع من مادّة صلبة، إلى دانتيل يكاد يكون رهيفًا تتزيّن به المنحوتة الخامسة، ليشهد تغيّرًا جذريًا في حقيقته. ولم يضع وليد فروقات كبيرة بين هذه المنحوتات، لكنّه ربطها بعامل مشترك، يتمثّل في تزويدها بمادّتَي الريزين وغبار الرخام، لتصبح مزيجًا بين الصلابة المعدنية وهشاشة الثوب المصنوع عليها. كما استطاع أن يحوّل تراثنا إلى مادّة حيّة، بعيدًا عن كلّ فلكلور، أو الرغبة في العودة إلى الماضي، وهذا بشكل فنّي وراقٍ.
وفي إطار آخر، نظّم الفنان وليد دروش في 22 سبتمبر بالمعهد الفرنسي بالجزائر، ورشة موجَّهة للأطفال، يدعوهم فيها إلى اكتشاف النسيج كموادّ إبداعية حقيقية، باستخدام القماش أو الخيوط أو الرافيا أو الصوف.
وجرّب المشاركون تقنيات مختلفة لتصميم وإنجاز منحوتة ثلاثية الأبعاد، ضمن نهج ترفيهي وحسّي لاستكشاف الأشكال والملمس والأحجام، مع اكتشاف كيفية تحويل الموادّ اليومية إلى أعمال فنية.