من القرار إلى الميدان

مليانة تستعيد إشعاعها الثقافي

مليانة تستعيد إشعاعها الثقافي
وزيرة الثقافة والفنون مليكة بن دودة
  • 407
نوال جاوت نوال جاوت

حملت زيارة وزيرة الثقافة والفنون مليكة بن دودة، إلى ولاية عين الدفلى، جملةً من القرارات الاستراتيجية التي تعكس توجّه الدولة نحو إعادة الاعتبار للمدن ذات العمق التاريخي والثقافي، وترسيخ مكانتها كأقطاب فاعلة في المشهد الثقافي الوطني.

في صدارة هذه القرارات جاء تحويل مقر خليفة الأمير عبد القادر، الشيخ بن علال بعد خضوعه لعملية إعادة اعتبار شاملة، إلى المتحف الوطني لمدينة مليانة، في خطوة تهدف إلى حفظ الذاكرة التاريخية، وصون الرصيد الثقافي للمدينة. كما تُوّج هذا المسار بتسليم درع تسجيل القطاع المحفوظ لمدينة مليانة، ضمن قائمة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو)، عقب تصنيف المدينة العتيقة ضمن سجل التراث المعماري والعمراني العربي. وهو اعتراف عربي بقيمة مدينة ضاربة في عمق التاريخ.

وفي سياق دعم البنية التحتية الثقافية سُجّلت عملية دراسة ومتابعة وتجديد قاعة السينما بمليانة ضمن قانون المالية لسنة 2026، بما يسمح بإعادة بعث الفضاءات الفنية، وإحياء الدور السينمائي للمدينة. كما شملت القرارات استلام الحصة الأولى من مشروع ترميم الأسوار الرومانية، مع الشروع في المرحلة النهائية للحصة الثانية في إطار الحفاظ على المعالم الأثرية المصنّفة.

وتجسيدًا لهذه القرارات على أرض الواقع، قادت بن دودة زيارة ميدانية، شملت مختلف المعالم التاريخية والثقافية لمدينة مليانة. وكانت المحطة الأولى مقر خليفة الأمير عبد القادر الشيخ بن علال، الذي أصبح رمزًا لمسعى استعادة الذاكرة، وتحويلها إلى فضاء متحفي مفتوح أمام الجمهور. كما أشرفت على افتتاح فعاليات المعرض الوطني “لقاء المتاحف” بشعار “رمزية الأمير عبد القادر من خلال المجموعات المتحفية”، بمشاركة عشرة متاحف وطنية، في صورة تعكس إشعاع مليانة كمحور ثقافي وذاكرتي بامتياز.

وشملت الزيارة أيضًا المركّب الديني سيدي أحمد بن يوسف، حيث تم الوقوف على وضعية الضريح، والمسجد، والاطلاع على ورشة ترميم الفندق التاريخي التابع للمركّب، المصنّف ضمن القائمة الوطنية للمعالم التاريخية، تحت إشراف الديوان الوطني لتسيير الممتلكات الثقافية المحمية، واستغلالها. وامتدت هذه الديناميكية الثقافية إلى مدينة خميس مليانة، حيث أشرفت وزيرة الثقافة والفنون رفقة والي عين الدفلى، على تسمية قاعة السينما باسم الفنانة القديرة “بيونة”، في خطوة رمزية تعبّر عن وفاء الدولة لرموزها الفنية، واعترافها بمساهماتها في إثراء الذاكرة الثقافية الجزائرية.

وتندرج هذه القاعة ضمن شبكة المركز الجزائري لتطوير السينما، حيث تُسيَّر من طرف شباب من المجتمع المدني. وتحتضن نوادي السينما، ما يجعلها فضاءً حيويًا للتكوين، والعرض، واكتشاف المواهب الشابة، ومتنفسًا ثقافيًا يعزّز الحركية السينمائية محليًا. كما دُشّنت، بالمناسبة نفسها، قاعة العروض الكبرى “محمد بوضياف” المُلحقة بدار الثقافة.

وهي منشأة ثقافية نوعية، من شأنها توسيع فضاءات العرض، ودعم النشاط الفني، بما يعزّز مكانة خميس مليانة كقطب سينمائي وثقافي فاعل على مستوى الولاية. وأكدت بن دودة أنّ هذه القرارات والمشاريع تندرج ضمن استراتيجية وزارة الثقافة والفنون، الرامية إلى إعادة الإشعاع للمدن التاريخية، باعتبارها خزّانًا للذاكرة، ومجالًا خصبًا للتنمية الثقافية والسياحية. مليانة وخميس مليانة اللتان تعاقبت عليهما الحضارات من زوكابار إلى مدينة العلم، وأنجبتا شخصيات بارزة من بولوغين بن زيري إلى سيدي أحمد بن يوسف، ومن خليفة الأمير عبد القادر إلى رموز الفن والشهادة، تؤكّدان، اليوم، من خلال هذه الديناميكية، موقعهما كقلعتين للذاكرة، وحصنين لحماية الثقافة الجزائرية.