"روابط عميقة" بمؤسّسة عسلة
مقوّمات الهوية الجزائرية في بعدها الجمالي والإنساني
- 105
مريم. ن
يتجوّل الفنان محمد سمارة طليقا عبر محطات من التاريخ والذاكرة، ليقطف ما طاب من روائع التراث والفنون التي تشكّل الهوية الثقافية الجزائرية، مبرزا من خلال هذا الزخم التاريخي الثريّ، إمكانياته الفنية الهائلة، القادرة على تصوير معالم من هذا التراث الحيّ، عبر لوحات فنية راقية تبدو وكأنّها تحفٌ تمثل الأصل. أقام الفنان محمد سمارة، مؤخّرا، معرضه التشكيلي من 30 لوحة بعنوان "روابط عميقة"، بمؤسّسة "رابح وحسين عسلة" بالعاصمة، يستحضر فيه التراث الجزائري بكلّ تجلّياته ومعالمه منذ الأزل، مستثمرا في إبداعاته التي ظلّت صامدة، وحية.
مقوّمات تمثل جوهر الهوية
ارتكز الفنان في لوحاته ذات المستوى الفني العالي، على مقوّمات الهوية الجزائرية التي يوظّفها بإحكام، ويجعل منها خطابا فنيا، يعزّز قيما إنسانية ارتبطت بتاريخ مجتمعنا عبر الزمن. وبها تشكّلت خصوصية فريدة تمثّل القيمة، وجوهر الثقافة، والهوية والانتماء.
ورغم تعدّد الأساليب الفنية والتقنيات يبقى التراث الوطني هو المسيطر في المعرض. ويتجلى في الأفراد (الذات)، والمجتمع الذي حافظ على كثير من هذه التعابير والقيم عبر الأجيال. وكانت أداته للصمود أمام رياح الطمس والنسيان. وتتوالى عبر اللوحات الدلالات والرموز والخطوط والمعالم، تذكّر الجمهور بتراث الجزائر المتنوّع والثريّ، الذي ترسَّخ منذ الأزل في الذاكرة الجماعية. كما تبرز الألوان المستوحاة من التربة؛ كدلالة على الارتباط بالأرض وبالتاريخ، فيتجلى اللون البني بكلّ تدرّجاته سواء في المعالم العمرانية (التشكيل بالرمل) أو في الحروف، وكذلك في معالم التراث وغيرها، إضافة إلى اللون الأصفر الذي يمثل النور المستمَدّ من الشمس المطلّة على الجزائر، وعلى كل القارة السمراء؛ ما يولد الدفء، وحميمية العلاقات الإنسانية. وفي هذه اللوحات يتجلى التباين بين النور والظلمة، كما تظهر تباينات أخرى مثل الحار والبارد، والمضيء والمعتم. ويتم ترتيب الألوان وتناقضاتها بانسجام؛ ما يعطي نوعا من التوازن البصري المريح. كما إنّ التناقض بين المناطق المظلمة والمضيئة يولّد إحساسا بالعمق، الذي يعود من بعيد بكلّ تناقضاته المتزنة وغير المتدافعة.
معالم توحي بذوق خاص
من جهة أخرى، يدقّق الفنان سمارة في معالم البنايات القديمة، ويتتبّع تصاميمها العتيقة، التي توحي بذوق خاص لم يعد في الغالب دارجا اليوم أمام سيادة العصرنة. ثم يدقّ الفنان أبواب البيوت؛ حيث يكمن التراث كلّه. والفضل في ذلك كان ولايزال للمرأة، التي ترتبط بالمنسج، والصوف، والأواني التقليدية، والديكور الأصيل، ناهيك عن الحرف من نسيج، وخزف، وطهو، وغيرها من مظاهر الأصالة؛ كالعادات والتقاليد الظاهرة في مواسم الأعراس، والجني، وفي الأعياد.
ومن المعالم التي وقف عندها الفنان الخطوط والحروفيات التي تمثّل رمزا من رموز الهوية؛ منها التيفيناغ المعبّر عن التاريخ السحيق، والذي ارتبط في المعرض بالإنسان الأوّل في رسومات التاسيلي. كما ارتبط فيما بعد بحروفه التي ترصع الزرابي والجدران وغيرها. وهي ترمز لثقافة تعكس القيم، ليتم عرضه في لوحات "تيفيناغ" و"الطقوس" و"التويزة" وغيرها. أما الحرف العربي فارتبط بالخط المغاربي والأندلسي الذي استقر ببلادنا، ووثّقته الكتابات والمخطوطات وغيرها. وظهر أيضا في المعرض من خلال لوحة "الكتاتيب"، و"الحروفيات" وغيرها. وقد جسّده الفنان في أشكال فنية أحيانا تبدو وكأنّها نوتات موسيقية، تطير راقصة في الأجواء برشاقة، وفي لحظة ما تتشابك الحروف أو تتجاور؛ وكأنّها تحدّث بعضها وهي تتحرّك في إيقاع بصريّ أخّاذ.
تباين الألوان لإثارة البصر
كما تصطف الألوان في نسيج هندسي واحد يبدو معلّقا. ورغم تباينها سواء في اتّجاه عمودي أو أفقي، يؤثر كل لون في اللون المجاور له، ثم تشتغل الألوان عن قصد لإثارة البصر؛ ما يحدث حركة ما تشبه الإيقاع. وتضمّن المعرض في جانبه الإفريقي، أصالة القارة السمراء، وعلى ألوانها التقليدية، خاصة تلك المستعملة في الاحتفالات وفي الطقوس. وترمز في معظمها للحياة، والخصوبة، والارتباط بالجذور. وعموما، يحاول الفنان المحترف سمارة من خلال البحث والإبداع أن يلفت اهتمام الجمهور إلى التراث بكلّ تجلّياته، وفي شتى مناطق الوطن؛ باعتباره ركيزة الانتماء والهوية، فعبّرت اللوحات من خلال رقيّها عن قيمة هذا التاريخ الزاخر. وعكست ريشة الفنان جماليات الألوان، والأشكال والرموز.