بركاهم فرحاني وخير الدين قروش بمدرسة حفظ الممتلكات الثقافية
مغامرة متحف "ديني" ودعوة إلى الرجوع لتقنية الطين
- 1210
لطيفة داريب
تحدثت البروفسور بركاهم فرحاني، عن مغامرتها في تحويل بيت نصر الدين ديني إلى متحف وطني، في مسقط رأسها في بوسعادة، في حين دعا المهندس خير الدين قروش، إلى استعمال نسبة من الطين في بناء المنازل والمنشآت، للحفاظ على الطبيعة والبيئة، والتخفيف من التكاليف، كان ذلك في الندوة التي نظمتها أول أمس، المدرسة العليا لحفظ الممتلكات الثقافية وترميمها بتيبازة.
قالت البرفوسور فرحاني، إنها لم تستطع مواصلة عملها في المركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ، علم الإنسان والتاريخ، في بداية التسعينات، ولا أن تحضر الدكتوراه، نظرا للوضع الأمني المتردي في العاصمة في سنوات التسعينات، لتقرر العودة إلى مسقط رأسها ببوسعادة، وهناك أعادت اكتشاف اتيان ديني، أو نصر الدين ديني، الذي عشق بوسعادة ودفن فيها.
وقبل أن تقص على الحضور، مغامرتها في إنشاء متحف وطني لديني، تحدثت عن حياة وفن هذا الفنان المستشرق، الذي كاد أن يتعرض للضرب المبرح، حينما أراد رسم نساء المنطقة، وهن يغتسلن ويغسلن ثيابهن في الوادي، لكنه أُنقذ من طرف سليمان بن براهيم، ابن بوسعادة، من أصل ميزابي، لتبدأ الصداقة بينهما وتستمر حتى بعد رحيل اتيان ديني، إثر تعرضه لوعكة صحية مباشرة بعد أدائه فريضة الحج.
تطرقت بركاهم إلى رغبة ديني في العيش ببوسعادة، بعد زيارته لها مع صديق عام 1880، وكذا عن إسلامه، حيث رغب في التعرف على الدين الإسلامي عن قرب، فرحل إلى الجزائر العاصمة وأسلم على يدي طيبي العقبي، واحتك ببعض العائلات المسلمة العريقة في هذه المنطقة، وتحديدا في سانت أوجان (بولوغين حاليا)، مثل حفيز وتمزاني. كما تعرض للتضييق من محافظ المتحف الوطني للفنون الجميلة آنذاك، جون ألازار، الذي كان يمقت المستشرقين.
عمر راسم رحب بديني
وتابعت أنه في وقت رفض فنانو العاصمة، ديني تلقى ترحابا من عمر راسم، الذي فتح له المستشرق أبواب الشهرة، خاصة بعد أن طلب منه تزويد كتبه برسوماته الجميلة، كما نظم ديني العديد من المعارض في باريس، وكان على علاقة وطيدة مع بن غبريط، الذي كان أحد مؤسسي مسجد باريس.
طلب ديني من الرئيس الفرنسي آنذاك، الذي كان محبا للمستشرقين، أن يكون لموتى المسلمين المدفونين في فرنسا، خاصة ضحايا الحرب العالمية الأولى، شواهد قبور تميزهم عن موتى المسيحيين، فقُبل طلبه وأوكلت له هذه المهمة، ـ تضيف بركاهم-. وتابعت مجددا، أنه بعد أداء ديني لفريضة الحج، توفي في باريس وأوصى بدفنه في بوسعادة، التي كان يلجأ إليها في كل صيف لدراسة ضوئها، وترك مكتبته ولوحاته وكل ما يملك لصديقه سليمان بن براهيم، الذي رافقه مع زوجته في رحلة الحج.
توقفت بركاهم عند هذه النقطة، وعبرت عن أسفها لضياع معظم أعمال ديني، فالكثير منها، وحتى مكتبته باعها سليمان بن براهيم، لحاجته للمال، كما اشترت هولندية ثرية الكثير من أعماله، قسم كبير منها أصبح بين يدي الراحل عبد الحميد مهري الذي فتح رواقا بأعمال ديني في باريس، ونفس الأمر بالنسبة لأعمال أخرى للفنان موجودة في قطر.
وهكذا وجدت بركاهم صعوبات في تحويل دار ديني إلى متحف، فقامت أولا، حسب تصريحها، بعمل بوليسي، حيث بحثت كثيرا في الأرشيف المتعلق بهذا الفنان، ولجأت إلى السلطات على مستوى ولاية بوسعادة، وحتى لوزارة الثقافة وشخصيات مهمة، بغرض تأسيس متحف وطني لديني، مع تعويض مالي لسكان بيته الحاليين، وهو ما تحقق.
أضافت أن المشروع لقي عقبات كثيرة، وفي نفس الوقت ترحابا كبيرا من العديد من الشخصيات، من بينها الراحل بلقايد وطالب الإبراهيمي والرئيس بوضياف، ليشهد الافتتاح في 13ماي 1993، وتتحول دار ديني إلى متحف وطني، وتم بهذه المناسبة، عرض لوحات ديني التي كانت موجودة في مختلف المتاحف الجزائرية، من خلال الدعم الكبير الذي تلقته بركاهم من طرف محافظة متحف الفنون الجميلة، مليكة بو عبد الله، أما اليوم، فالمتحف يعيل أكثر من مئة عائلة، ويضم بعض لوحات ديني.
نحو الرجوع إلى تقنية الطين في البناء
من جهته، قدم المهندس خير الدين قروش، مداخلة بعنوان: "التراث المبني من الطين بالجزائر، ثقافة بناءة وتجديد في الأداة"، قال في بعضها، إن 150 معلم من بين 600 معلم مصنفا بـ«اليونسكو"، مبني بالطين، وبأشكال مختلفة، حسب طبيعة الأرض التي يستخرج منها، وتقاليد سكانها، وغيرها من العوامل.
في المقابل، قدم المحاضر عدة أمثلة عن مباني شيدت بالطين في الجزائر، مثل قصر موغال ببشار ودشرة الحمراء بالأغواط، والتي عرفت هجرة سكانها، بالتالي فقدان معرفة وخبرة صناعها، مما تأسف له كثيرا، خاصة في حال وجود مخطط مستقبلي يتعلق بمشروع اقتصادي وسياحي خاص بهذه التقنية في البناء.
وأضاف أن بناء الدور بشكل تقليدي، يساهم في تخفيض نسبة التكلفة إلى خمسين بالمئة، إلا أن الحصول على رخصة البناء صعبة، وكذا الإعانة المالية الخاصة بالسكن الريفي، والمقدرة بـ70مليون سنتيم، كما أنه لا يوجد أي مشروع حكومي حوله، ما عدا بعض الخواص الذين بنوا بالشكل التقليدي.
دعا خير الدين إلى استعمال نسبة من الطين في البنايات، حفاظا على البيئة والطبيعة، والاستفادة من خبرة القدامى الذين كانوا يبنون دورا وكأنها مزودة بالمبردات. علما أنه يمكن أيضا استعمال النبات ومواد طبيعية أخرى في البناء.
الرد على المشككين في جودة الطين
كما دحض الأستاذ بعض المزاعم حول الدور المبنية بالطين، مثل هشاشتها، مقدما مثالا ببنايات من الطين تتشكل من سبع طوابق، بنيت منذ قرون في اليمن، وما تزال قائمة، ليضيف أنه يمكن الاستعانة ببعض التقنيات القديمة في تشييد البنايات المعاصرة، كما حصل في بناء مسجد من الطين بالسعودية، استغرق تشييده سبعة أسابيع، في حين تطلب تجهيزه من الداخل سبعة أشهر كاملة. وعرج المتحدث إلى المشاريع والمسابقات التي نظمها رفقة زملاء له في هذا المجال، علاوة على المعارض، تشجيعا للمهندسين الشباب على التوجه إلى هذه التقنيات في البناء.