مناضلا وطبيبا ووزيرا ومثقفا

مسارات أحمد طالب الإبراهيمي تحت الأضواء

مسارات أحمد طالب الإبراهيمي تحت الأضواء
  • 262
مريم. ن مريم. ن

استحضر المشاركون في ندوة "أحمد طالب الإبراهيمي.. مسارات "، أوّل أمس، بقاعة "آسيا جبار "، جوانب من حياة الراحل أحمد طالب الإبراهيمي مناضلًا، وطبيبًا، ووزيرًا، ومثقّفًا وكاتبًا، متوقّفين عند محطات مهمة من حياته التي سخّرها لخدمة وطنه.

أشار الأستاذ أحمد عظيمي إلى أنّ الأمسية مناسبة لتذكُّر مناقب الرجل الذي كان كبيرًا، ورمزًا من رموز الأمة، خدم الجزائر، وقدّم لها ما استطاع أن يقدّمه منذ أن كان طفلًا حتى وفاته رحمه الله. وأكّد أنّه التقى الراحل منذ ثلاث سنوات في بيته؛ قصد التحضير لملتقى دولي حول الراحل هواري بومدين، ليكون مناسبة للإعلان عن تأسيس مؤسّسة هواري بومدين، مع مطالبة الراحل الإبراهيمي بأن يكون رئيسها الشرفي. وكان رده حينها: “ أنا معكم في كل ما يتعلّق ببومدين".

وعن حياته قال عظيمي إنّ الإبراهيمي من عائلة معروفة بمواقفها. وإنّه اختار النضال الوطني لاسترجاع السيادة الوطنية. وعُرف منذ شبابه بجديته وهو طالب يجلس في مدرجات جامعة باريس. ثم عُرف برسائله التي كان يكتبها من سجنه بباريس أيضًا. وعُرف، كذلك، بصفته مجاهدًا، وطبيبًا، ووزيرًا ودبلوماسيًّا.

وقال المتحدث إنّ الراحل كان الطبيب الجزائري الوحيد في مستشفى مصطفى باشا الجامعي، خلال الاستقلال، ليتّصل به الراحل بومدين عام 1965 ويطلب منه الانضمام إلى حكومته، فردّ عليه: "أنا الطبيب الجزائري الوحيد في المستشفى، ولي الكثير من المرضى الذين يفضّلون بقائي؛ كوني جزائريًّا. وأنت أيها الرئيس تستطيع إيجاد عشرين وزيرًا غيري، لكنّك لن تجد الطبيب".

لكن بومدين أقنعه ليتسلّم وزارة التربية والتعليم. وأشار المتحدّث إلى أنّ الراحل ذكر له أنه في سنة 1967 كلّفه الرئيس بومدين بتحضير الدخول المدرسي، والتكفّل بكلّ طفل في سن التمدرس بتوفير كرسي له، وكان الفقر والحرمان حينها ضاربًا بأطنابه، لكن الإبراهيمي ردّ قائلا: "ومن أين لنا بذلك؟ فلا معلمين، ولا كراسي، ولا مقرات! "، فقرّر الرئيس تسليم الثكنات العسكرية لوزارة التربية، وتحويلها إلى مدارس وثانويات، بل إلى جامعات، كما كانت الحال بالنسبة لجامعة السانية بوهران. ثم امتدّت المؤسّسات التربوية نحو القرى والجبال. وفي سنة 1970 تَسلّم الإبراهيمي وزارة الثقافة والإعلام. وعمل على استعادة الهوية. وبعض ما قدّمه لايزال قائمًا إلى اليوم، منه مجلة "الثقافة"، ومدرسة برج الكيفان للفنون الدرامية وغيرهما. 

ومما عُرف عنه خطابه الشهير بباريس لما دعاه جاك بيرك ابن مدينة فرندة، عندما انتهى من ترجمة القرآن الكريم إلى الفرنسية، فأقام حفلًا بباريس بحضور صفوة النخب في العالم. وطلب من الإبراهيمي كلمة يلقيها لتصبح مقدّمة الكتاب المترجم. وعُيّن الراحل مستشارًا عند بومدين، خاصًّا بالوساطة العربية وحقوق الشعوب. ثم تولى الخارجية في عهد الشاذلي بن جديد، ليؤكّد المتدخّل أنّ علينا اليوم، مسؤولية إحياء تراث الرجل، ومساره، وإطلاق اسمه على بعض المؤسّسات. أما الباحث نوفل الميلي فأثار جانب التأليف عند الراحل الإبراهيمي، ومنه مذكراته التي كتبها، وما عاشه في مراحل حياته. 

ومن أبرز ما عاشه مرافقته لوالده الشيخ البشير الإبراهيمي سنة 1954 إلى القاهرة، والتقاؤهما جمال عبد الناصر. ثم زيارة دمشق وتركيا. ثم عودته إلى باريس لدراسة الطب. وفي السنة نفسها اندلعت الثورة؛ ليبدأ مسارٌ آخر من النضال.  وبعد الاستقلال سُجن من طرف الرئيس بن بلة، وصولًا إلى ترشّحه لرئاسيات 1999. ثم تأسيسه حزب “ الوفاء “ الذي حُرم من الاعتماد حينها.

ومن جانبه، توقّف الباحث التونسي كمال بن يونس عند بعض معالم حياة الراحل الإبراهيمي، علمًا أنّه خصّص له فصلًا كاملًا في أحد كتبه، مشيرًا إلى أنّه يصعب اختزال الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي في صفة واحدة؛ فهو طبيب بالتكوين، ومثقف بالانتماء، ومناضل في الحركة الوطنية، ورجل دولة، مارس المسؤولية في مواقع شديدة الحساسية. ودبلوماسي مَثّل الجزائر في مرحلة اتّسمت بصراعات الحرب الباردة، والأزمات العربية والإفريقية، ثم أصبح بعد خروجه من الحكم شاهدًا، وناقدًا، وكاتب مذكرات.

وُلد أحمد طالب الإبراهيمي في الخامس من يناير 1932. ونشأ في بيت الشيخ محمد البشير الإبراهيمي أحد كبار رجال الإصلاح الوطني وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين. ودرس الطب في الجزائر، ثم في باريس. وأسهم في شبابه في إصدار صحيفة "الشاب المسلم" باللغة الفرنسية. وانخرط في الحركة الطلابية الوطنية. وكان من الشخصيات المؤسِّسة للاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين سنة 1955 قبل اعتقاله من السلطات الفرنسية، ودخوله السجن في حرب التحرير. 

وبعد الاستقلال انتقل الرجل من زمن مقاومة الدولة الاستعمارية إلى زمن بناء الدولة الوطنية. ومما ذكر الباحث التونسي إيمان الراحل بضرورة تحرير الإنسان من آثار العلاقة الاستعمارية، ومن هذا المنظور ظهرت فكرة "الثورة الثقافية"؛ باعتبارها الوجه الآخر للاستقلال السياسي. وكان الرهان هو تكوين جزائري ينتمي إلى عصره، لكنّه لا يعيش حالة انفصام مع تاريخه.

ويرى الأستاذ بن يونس أنّ مشروع الهوية عند الراحل الإبراهيمي لم يكن مجرّد احتفاء بالماضي، وإنّما محاولة لصنع أساس ثقافي للدولة الجديدة. ومن تلك الأسس المدرسة باعتبارها مؤسّسة لصناعة الاستقلال. فعندما تولى أحمد طالب الإبراهيمي وزارة التربية الوطنية سنة 1965، لم يعد يتحدّث عن الثقافة من موقع المفكّر وحده، وإنّما أصبح مطالَبًا بتحويل الأفكار إلى سياسات ومؤسّسات.

وهنا بدأت أصعب مراحل تجربته؛ فالجزائر الخارجة من استعمار استيطاني طويل كانت تواجه نقصًا كبيرًا في الإطارات والكوادر التعليمية، إلى جانب الحاجة إلى تعميم الدراسة، وبناء الأقسام والمؤسسات، وتكوين المدرسين والأساتذة، مع مناداته بالتعددية اللغوية، خاصة في ما يخصّ اللغة الإنجليزية.