ندوة"ما بعد الكتاب"

مساءلة الذكاء الاصطناعي ضرورة لحماية الكتابة

مساءلة الذكاء الاصطناعي ضرورة لحماية الكتابة
  • 60
 دليلة مالك دليلة مالك

اتفق المشاركون في ندوة "ما بعد الكتاب .. أي مستقبل للعقل البشري في عصر الذكاء الاصطناعي”، أول أمس، بصالون الجزائر الدولي 29، رغم اختلاف مقاربتهم، على أنه لا مناص من مساءلة استخدامات الذكاء الاصطناعي باستمرار، ومحاولة رسم معالمها، قبل أن ترسمها الآلة بنفسها.

اجتمع ناشرون وأكاديميون، بقاعة "الطاهر وطار"، ليسائلوا مستقبل الكتاب والعقل البشري في زمن الخوارزميات، وتوقفوا عند قلق يتقاسمه اليوم، الكتاب والناشرون والقراء على حد سواء، إزاء تحولات تمس ممارسات الكتابة وصناعة الكتاب في العمق. استهلت الناشرة اللبنانية رنا إدريس مداخلتها، من ملاحظة بسيطة في ظاهرها، فإلى جانب المثلث التقليدي، كتابة وقراءة ونشر، دخل طرف رابع، هو الذكاء الاصطناعي. وأمام هذا الواقع، تساءلت عن حدود استعماله ومداه، وعمن يستقي من الآخر في نهاية المطاف، هل الآلة هي التي تنهل من البيانات الرقمية، أم المستخدم هو الذي يستحوذ على موارد الآلة؟.

وفي ردها، شددت المتحدثة على أن "التطبيقات لا تحل محل التفكير، بل تقدم إجابات محتملة”، ولم تُخفِ تخوفها من الاعتماد المفرط على هذه الأدوات، إذ قالت، إن قياس استخدام الذكاء الاصطناعي يكون بما نفقده من حدس وإنجاز وقدرة على التقييم"، وفي تلك اللحظة تحديدا، نخاطر بالتوقف عن الشك، وببساطة عن التفكير"، ودعت، في المقابل، إلى إدراج المسائل الأخلاقية في صلب هذا النقاش.

من جهته، دعا البروفيسور رضا بن حميد، من تونس، المتخصص في الأدب، إلى إعادة التفكير في مكانة الكتاب في عصر الذكاء الاصطناعي، وما بعده. وكشف أن مخبره الجامعي، الذي يضم 98 باحثا، انقسم بين مؤيد ومعارض لاستخدام هذه التكنولوجيا، مضيفا أن "المسافات تتسع بين الذكاء الاصطناعي وبيننا" كلما تعمق البحث، لأن الخوارزميات والتقنيات مجالات شاسعة للغاية.

يرى المتحدث، أن الكتابة بمساعدة الذكاء الاصطناعي، عاجزة عن التعبير الكامل عن العواطف، ولا يمكنها أن تعوض الإبداع البشري. كما نبه إلى غياب أطر تشريعية وأخلاقية راسخة بما يكفي، وإلى ما يثيره هذا اللجوء من تساؤلات معرفية (إبستمولوجية) عميقة. غير أن بن حميد لم يغلق الباب كليا، إذ لاحظ أن النصوص التي تولدها الآلة، قد تفرز أنماطا جديدة من القراء. وذكر في الأخير، بالدور الجوهري للكتاب في حفظ ذاكرة الكاتب والذاكرة العربية، وهي وظيفة سيواصل أداءها، حسبه، مهما تغيرت الأدوات.

أما الشاعر والناشر خالد سليمان، القادم من إيطاليا، فاختار زاوية الزمن. “المؤلف بحاجة إلى الوقت، بينما يتيح الذكاء الاصطناعي ربحه”، قال، معلنا رفضه للسرعة والعجلة في أي عملية إبداعية، ثم طرح سؤالا ظل معلقا في القاعة “ماذا سنفعل بالوقت الذي سنربحه؟”، وتوقف عند عمل البحث والتصحيح والروابط الإنسانية التي ترافق ميلاد كل كتاب، معتبرا أنها مهددة بالتقلص، بل بالزوال، أمام زحف الذكاء الاصطناعي.

وختم البروفيسور عبد الرزاق بلعقروز، من جامعة سطيف، المداخلات، بمقاربة فلسفية، تناول فيها القيم الإنسانية والتجربة المعيشة ودفء العلاقات والأخلاق، والزمن النفسي الذي لا غنى عنه لأي مؤلف. وأبرز ما يميز الإنسان من ذكاء تحليلي وقدرة على الدهشة أمام ما يحيط به، إضافة إلى بُعد الروح في فعل الكتابة، وهي كلها عناصر تمنح الكتابة معناها العميق، ولا يمكن للذكاء الاصطناعي، وفق رأيه، أن يستنسخها.