يوقّع روايته الجديدة في «سيلا 2017»
مرزاق بقطاش يترك «المطر يكتب سيرته»
- 3412
مريم.ن
ينسحب الروائي الكبير مرزاق بقطاش من المشهد الثقافي العام في هدوء، مما يجعل بعض الذين لا يرونه على منصات الملتقيات والندوات، يظنون أنه اعتزل الكتابة وتوقف عن الإبداع، لكن هيهات، فالرجل يفضّل هجر الضوضاء والغوغاء، كي يتفرّغ لرعاية مولوده الجديد «المطر يكتب سيرته»، ويشهد في ذلك البحر وحده حافظ كل الأسرار. ولا يتردّد «عمي مرزاق» في كلّ مرة، في عصر ذاكرة التجارب الإنسانية عبر امتداد سنوات العمر.تحمل الرواية جدلية الحياة ومتناقضاتها والثابت فيها والمتحوّل مع الأيام، تحيا فيها الذكريات لتواجه واقعا رتيبا يسدل بيومياته الثقيلة على فرحات المتأمل للبحر والسماء، والمستعد للمطر حتى وهو يجلس على كثبان الرمل.
يصور الكاتب حياة فرحات الذي يبقى وحده في باحة الفيلا، تبلغه وشوشة البحر في الأسفل أو جعجعة الطيور البحرية الجائعة أو هديل الحمام فوق القرميد، وهذا الهدوء لا يقلق الرجل طالما أن الكثيب الرملي الموجود يوحي بالذكريات رغم أن الحلزونات تموت فوقه أو تلجأ إليه حين شعورها بدنو أجلها بدون أن تقلق غيرها من المخلوقات، وبالتالي يريد الشيخ فرحات أن يكون شبيها بالحلزونات في هذه المرحلة المتأخرة من العمر، لذلك يحب أن يموت في مكان مماثل تماما لهذا الكثيب، لن يقلق أحدا، ولن يزعجه أيّ إنسان. تشير الرواية إلى أن فرحات بلغ 80 عاما، وهو يحسب حساب أي كلمة يتلفظ بها، يتحدث عن الموت تبعا لنظرته إلى الحياة، وقد يكتفي في هذا الشأن ببعض الإشارات. ونفس المسألة صارت تشغل بال الفتى نسيم منذ أن حلّ مع والده بفيلا فرحات. همومه تظهر في نظرات عينيه وفي حركات يديه، بل وفي بعض الرسوم المائية التي ينجزها داخل الفيلا أو خارجها. والده مهدد بالقتل، وقد يسقط صريعا في أي لحظة على أيدي الإرهابيين، وفي أي مكان. صديق والده اغتيل في أروقة معهد العلوم الفلاحية؛ من يدري فقد يهاجمه أحد القتلة في الحرم الجامعي أو قاعة المحاضرات، تلك هي طريقتهم في التخويف وبث الرعب.
عن والدة نسيم فهي أيضا مهددة بنفس المصير، لكن بسبب المرض الذي تعاني وطأته نُقلت إلى باريس لإجراء عملية القلب المفتوح، ولهذه الأسباب كلّها ومنها خوفه على أمه، لا يحب نسيم سماع كلمة «موت» رغم أنه يقلبها في دماغه يوميا، وفي صمت مريب يزعج فرحات، فنسيم يتساءل يوميا عن مصير أبيه محمود المهدد من طرف الإرهابيين، وأمه المريضة ومصيره هو أيضا، وهل سيرجع إلى مدرسة الفنون الجميلة أم يبقى مختبئا في الفيلا؟ ليكتشف بعدها بأيام مقتل مدير المدرسة مع ابنه.
تهديد آخر ومضايقات يعانيها الشيخ فرحات من أحد السماسرة الماكرين، الذين استغلوا هذه الفترة لشراء أو بناء الفيلات الضخمة وكرائها، وبالتالي يحاول أن يشتري فيلا فرحات الضخمة التي تبقى وحدها حية في مواسم الشتاء، علما أنها جميلة وراقية ومن تصميم عالم بريطاني بناها في الأربعينيات، حينها كان فرحات مشاركا في الحرب العالمية الثانية على الجبهة الإيطالية، وطبعا فإن لهذا الشيخ ذكرياته فيها وفي الشاطئ وحتى غابة الصنوبر المجاورة وكذا في الأرباض البحرية وفي اسطاوالي عموما. ماضيه يعود إليه في لحظات خاطفة، يهتم بمشهد قطرات المطر المتهاطل على صفحة البحر قبالته، ويتذكر صديقه الإنجليزي بليز، ليتمنى أن تعود الأيام الجميلة وتنطفئ النار التي تأكل الأخضر واليابس في بلادنا.
تتضمن الرواية توثيقا لبعض الأحداث التي عاشها فرحات في الأربعينيات، ومن ذلك قصة حب رائعة بين شابين (فاليريان وأوريليان) انتهت بمأساة الموت. وتتوالى الذكريات التي لم تقصم ظهر فرحات، منها الأليمة والجميلة. واستطاع بفضلها أن يهزم هذا الزمن، وأن يدندن بعزّ «توشية الغريب» ويطهو السمك، معلنا عن استمرار الحياة رغم كل شيء. يبقى الروائي بقطاش، كما قال عنه بعض النقاد، «الكاتب الذي واكب تحولات الجزائر وعرفها، وأبى إلا أن يجرد قلمه ليستخلص من المؤقت الزائل ما يمكث في الأرض، وهو لم يتنصَّل يوما من كتاباته في السياسة والفكر أو يتنكَر للواقع، بل إن ذلك كله يقع في صلب أعماله»، وأنه «يُعد من المثقفين المتصوفة الذين آمنوا بالكلمة الصادقة وخدموها بإخلاص وتحملوا مشاقها بصبر كبير». الرواية دليل على النضج تحمل قوة صاحبها، وتصول وتجول في الأزمنة خاصة بين الماضي والحاضر. ومن خلال أحداثها وشخصياتها الحية، تبرز الأهمية والتوثيق لمرحلة من حياة الجزائريين، وقد تعود بالقارئ إلى استحضار رواية بقطاش الأخرى والسابقة «دم الغزال» 2002، حين كتب عن محاولة اغتياله في جويلية 1993، وإذا كان القدر قد شاء له أن ينجو من الموت، فإن جرح هذه التجربة بقي مغمورا. تحمل «المطر يكتب سيرته» لغة راقية ومنظورا متقدما، وتقنيات منهجية ورؤى مؤسسة، بعيدا عن السقوط في الابتذال والسطحية، وظل بقطاش في هذه الرواية متمسكا بمواقفه وأفكاره ومحيط واقعه (ارتبط بالواقعية في كتاباته)، ولم يعتمد في نسج الرواية كثيرا على الخيال، لكنه ظل ملتزما بالأدب وبجمالياته ولغته وصورته الفنية وبالذات الجزائرية. كما تحمل روايته وعيا مكتمل النضج، وهاجسا مشروعا منبعثا من جزائريته الأصيلة وإنسانيته بلغة هادئة غير مفتعلة ولا منمقة، تصل من فرط صدقها مباشرة، إلى القارئ.