الكاتب مصطفى بن فضيل لـ"المساء":

مدينة الجزائر بطلة مجموعتي القصصية "حافلة 54"

مدينة الجزائر بطلة مجموعتي القصصية "حافلة 54"
الكاتب مصطفى بن فضيل
  • 187
 لطيفة داريب لطيفة داريب

عُرف مصطفى بن فضيل روائيا، وكاتبا مسرحيا، لكنّه اختار هذه المرة العودة إلى قرائه من خلال مجموعة قصصية جديدة بعنوان "حافلة 54"، صدرت عن دار البرزخ. ويشارك بها في معرض الجزائر الدولي للكتاب. وعلى هامش حفل توقيعه لمجموعته الجديدة التقته "المساء" ، وأجرت معه هذا الحوار، الذي تحدّث فيه عن تجربته في الانتقال إلى كتابة القصة القصيرة، وعن خلفيات المجموعة، وعلاقتها بمدينة الجزائر، التي جعل منها بطلة لنصوصه.

❊ من الرواية والكتابة المسرحية إلى القصة القصيرة، كيف جاءت هذه النقلة؟

❊ "حافلة 54" هي أوّل مجموعة قصصية أنشرها، علما أنّني كتبت قصصا في بداياتي مثل ما يفعل معظم الكتّاب تقريبا. لكنّني لم أنشرها بل اتّجهت إلى نشر الرواية، وكتابة النصوص المسرحية. وهما المجالان اللذان عرفني بهما القرّاء أيضا. أما بالنسبة لهذه المجموعة القصصية فقد اخترت لها عنوان " حافلة 54 "، وهو عنوان إحدى قصصها التي أراها الأكثر شخصية.

❊ كيف ذلك؟

❊ "حافلة 54" موجودة بالفعل. وهي تربط بين ساحة أودان والمرادية، وتنتمي إلى حافلات مؤسسة النقل الحضري وشبه الحضري لمدينة الجزائر "إيتوزا". أستقلها برفقة ابنتَيّ اللتين تدرسان بالمرادية. وخلال هذه الرحلة اليومية أتحدّث معهما كثيرا. ومن هنا تناولت في هذه القصة مسألة النقل؛ بمعنى نقل المعارف، والتجارب. وأودّ هنا أن أؤكّد أنّ شخصية الأب في القصة خيالية.

❊ لكنّك في الحقيقة تتحدّث عن نفسك، وعن ابنتيك.

❊ صحيح أنّ الواقع يكشفني نوعا ما، لكن لنعد إلى القصة وإلى شخصية الأب الذي كان والده بدوره، يصطحبه إلى المدرسة عند التحاقه بها، غير أنّه توقّف عن مرافقته بعد سنتين؛ لوفاته، تاركا ابنه يواصل الذهاب إلى المدرسة بمفرده. ومن خلال هذا السياق، يتساءل الأب: هل سيأتي اليوم الذي سأترك فيه ابنتيّ تخوضان دروب الحياة؟ وهل سيأتي اليوم الذي تُجبر فيه ابنتاي على مواصلة الطريق بمفردهما؟ إنه سؤال يطرحه كلّ الأولياء على أنفسهم.

وهناك سؤال آخر في السياق نفسه: هل نوفر لأطفالنا عالما يشعرون فيه بالأمان والراحة، ويستطيعون من خلاله تحقيق أحلامهم؟ فعندما ننظر إلى العالم الذي نعيش فيه لا نشعر بالطمأنينة، وهو ما يدفعني إلى التساؤل مجددا: "هل يجب عليَّ أن أفرط في حماية أطفالي؟". والإجابة، بطبيعة الحال، هي لا؛ لأنه ينبغي أن أتركهما تشقان طريقهما بمفردهما.

❊ ماذا عن القصص الست المتبقية في المجموعة؟

❊ هي نصوص مختلفة، كتبتها في أجواء متباينة، غير أنّ بينها رابطا مشتركا، يتمثّل في مدينة الجزائر العاصمة التي أحبها كثيرا، والتي تشكّل في مجموعتي شخصية قائمة بذاتها. في الواقع هناك عدّة "جزائر" وليست جزائر واحدة. وأنا عشت بالفعل انطلاقا من تجربتي الشخصية مع العاصمة؛ عدة "جزائر" رغم أنني من مواليد غليزان؛ أي أنني لست ابن هذه المدينة؛ لذلك تتّسم علاقتي بها بنوع من الشعور بالغربة، الممزوج في الوقت نفسه بالانبهار.

إضافة إلى ذلك، فأنا لا أقود السيارة، بل أتنقّل سيرا على الأقدام طوال الوقت، وهو ما يجعلني أرى هذه المدينة من منظور خاص، ولهذا أروي في مجموعتي قصصا متعددة عن الجزائر البيضاء، تمتد أحداثها من الحقبة الاستعمارية إلى يومنا هذا. وتتناول أحياءها المختلفة، مثل باب الواد، وسيدي عبد الله، وباش جراح، مسلطة الضوء عليها.

❊ لقد مدحت مدينة الجزائر، فهل انتقدتها أيضا؟

❊ كتبت في مجموعتي قصصا أمدح فيها مدينة الجزائر التي أحبها كثيرا، ولم أنتقدها؛ لأنني أشعر فيها بسعادة كبيرة. ولهذا أردت التعبير عن هذه السعادة التي تغمرني لوجودي في هذه المدينة التي تستقبلني بفرح وحفاوة.

❊ كتبت قصصا مستوحاة من الواقع وأخرى من الخيال، لماذا هذا الاختيار؟

❊ في جميع أعمالي هناك دائما جانب وثائقي. وهي صفة أطلقتها على هذا الجانب، لكنّه لا ينبع من عملي كصحفي، وبالتالي يحضر الواقع بوضوح في نصوصي، إلى جانب البعد الشعري، والجانب الخيالي في القصص؛ فأربع قصص من هذه المجموعة خيالية محضة، من بينها قصة تخيلت فيها مدينة الجزائر غارقة في الصمت، بفعل شخصية تمتلك قدرات خاصة. وهو أمر يصعب تخيّله حقا بالنظر إلى أن العاصمة مدينة صاخبة.