تلامذته يستذكرون فنَّه الراقي بمتحف الآثار القديمة

محمد تمّام.. حين يتحوّل المعلّم إلى ذاكرة حيّة في الوجدان

محمد تمّام.. حين يتحوّل المعلّم إلى ذاكرة حيّة في الوجدان
  • 182
لطيفة داريب لطيفة داريب

 تعلُّق تلاميذ الفنان الراحل محمد تمّام بمعلّمهم ظهر جلّيا خلال المعرض الذي افتُتح بالمتحف الوطني للفنون القديمة مؤخّرا، من خلال مشاركتهم  فيه بلوحات تعبّر عن تأثرهم الكبير بأستاذهم في مدرسة الفنون الجميلة ليس في الجانب الفني وحسب، بل حتى في الإطار الإنساني. وهو ما أكّده البعض لـ"المساء" خلال افتتاح هذه التظاهرة.

رغم مرور أكثر من خمسين سنة من تعلّمهم فن المنمنمات على يدي الفنان المخضرم محمد تمّام (1915-1988)، مايزال التلاميذ يتحدّثون عن خصال أستاذهم الكبير وفنه الرّاقي، وصبره، وحبه تلقينهم أبجدياته وتفاصيله بكلّ تفان، وهو ما أوردوه في شهاداتهم لـ«المساء". فمن بين المشاركين نجد الأستاذ علي كربوش، الذي بادر بفكرة تنظيم هذا المعرض بالتعاون مع محافظ المتحف الوطني للفنون القديمة، السيّد عز الدين عنتري، وهو المتحف الذي كان تمّام محافظه من عام 1963 إلى غاية وفاته.

قال كربوش لـ"المساء" إنّه يشارك في هذا المعرض المعنون بـ"اللوحة النابضة" بلوحتين، مضيفا أنّه تخصَّص في فن المنمنمات بمدرسة الفنون الجميلة، التي درّس فيها من 1966 إلى 1971؛ تأثّراً بدروس تمّام التي تلقّاها خلال بداياته في المدرسة (الجذع المشترك). وأشار إلى احتفاظه بعلاقة طيّبة جدّا بتمّام بعد إنهاء دراسته، فكان يزوره في شقته بمتحف الآثار القديمة. وكانا يرتحلان معا إلى عدّة أمكنة، وبالأخص إلى حمّام ريغة. كما كان تمّام يشارك معه ورفقة فنانين آخرين، في المعارض الجماعية، ليؤكّد قضاءه وقتا ممتعا مع معلّمه.

أما الفنان سعيد بوعرور فيشارك هو الآخر بلوحتين أنجزهما عام 2024؛ الأولى بعنوان "تنميق هندسي" . والثانية "فن الخط المزخرف". وذكر لـ"المساء" التحاقه بمدرسة الفنون الجميلة عام 1964، واختياره تخصّص المنمنمات بعد دراسته في الجذع المشترك الخاص بمختلف الفنون التطبيقية، مضيفا أنّه تأثّر كثيرا بفن معلمه تمّام، وبالأخوين عمر ومحمد راسم، والفن الإيراني، والتركي. وبالمقابل، نوّه بخصال تمّام، فقال إنّه كان رجلا مثقفا، ومحترما. شغل مديرا لمتحف الآثار القديمة. كما عمل في دار صناعة سيفر الملكية بفرنسا، مضيفا أنه بقي يتواصل معه بعد تخرجه، وأنهما تشاركا رفقة فنانين آخرين، في العديد من المعارض الفنية الجماعية.

ومن جهته، تحدّث الفنان مقران زرقة لـ«المساء"، عن علاقته بتمّام، فقال إنّ تمّام التحق بمدرسة الفنون الجميلة كمعلّم ابتداء من عام 1967 إلى غاية 1972. وفي نفس الوقت كان مديرا لمتحف الآثار القديمة، مشيرا إلى أنّ أوّل درس له في المدرسة كان في فن المنمنمات مع تمّام، وكان ذلك كلّ إثنين لمدة ثلاث سنوات، قبل أن يتخصّص زرقة في فن السيراميك.

وكشف زرقة عن جهله رفقة رفقائه، تماما، لفن المنمنمات، وحتى لفن الزخرفة الذي كان يدرّسه الفنان غانم، مضيفا أنّ تمّام كان يتحدّث مع الطلبة باللغتين العربية والفرنسية حتى يفهم الجميع ما يريد قوله. وكان يكشف لهما خبايا المنمنمات عن طريق الصور. كما كان صبورا، ولا يتوقّف لحظة عن تزويد الطلبة بالمعلومات.

وكان لطيفا، ومحترما، ويتحدّث بصوت منخفض. وتابع أنّ تمّام طلب منه أن يرسم ببطن الريشة، فلم يفهم ما يقصده، لكنه أدرك لاحقا أنّه كان يطلب منه أن يرسم برقة، ولطف، مشيرا إلى امتلاك تمّام أنامل ساحرة، وصبرا عميقا. وبقيت ذكراه محفوظة في ذاكرته. وهو الآن أستاذ بمدرسة الفنون الجميلة منذ عام 1981 بعدما أنهى دراسته في تخصّص السيراميك، ثم عاد إلى المدرسة مجدّدا، ودرس فن الهندسة الداخلية، وتحصّل على منحة دراسية في مدينة فلورنس الإيطالية، ثم عاد الى الجزائر وأصبح مدرّسا للديزاين بالمدرسة العليا للفنون الجميلة.

وفي إطار آخر، تحسّر زرقة للأعمال التي أنجزها في فن المنمنمات حينما كان طالبا والتي احتفظت بها المدرسة، إلاّ أنّه استطاع الاحتفاظ بأعمال أخرى أنجزها في تلك الفترة في البيت، من بينها عملان يشارك بهما في هذا المعرض. وذكر دعوة تمّام له ولفنانين آخرين للمشاركة في عدّة مشاريع مثل تلك التي خصّت جنان الميثاق. وكان المعلّم الجليل دائم السعادة حينما يلتقي مجدّدا بطلبته.

وألقى محافظ المتحف الوطني للآثار القديمة السيد عز الدين عنتري، كلمة بهذه المناسبة، قال فيها إنّ هذا المعرض فرصة سانحة لتكريم قامة فنية كبيرة، واصلت النضال بعد الاستقلال في مجال الفن وحفظ التراث؛ من خلال تعليمه فن المنمنمات، وإدارته متحف الفنون الإسلامية، علما أنه سيتم تنظيم يوم تكريمي له، في 18 ماي بمقر المتحف.

عودة مؤسّسة تمّام إلى النشاط

حضر هذا التكريم الذي يخصّ قامة اختصت أيضا في إنجاز الطوابع البريدية، بالمناسبة، السيد سيد علي تمّام ابن أخي الفنان الراحل. وقد كشف لـ«المساء" عن تجديد وشيك لنشاط مؤسّسة تمّام التي يترأسها بعد تجميد نشاطها. وسيكون ذلك بعد أشهر قليلة، حيث تقرّر تنظيم معارض للتعريف بالفنان وأعماله داخل وخارج الجزائر، وإصدار كتاب جميل عنه، ومحاولة استعادة أعماله المتناثرة هنا وهناك، وتنظيم مسابقة باسمه. وأضاف أن تمّام شخصية فنية راقية، درس في المدرسة العليا للفنون الزخرفية في باريس في سنوات الثلاثينات. وُلد بالقصبة، وعاش فترة في باب الواد، وفي فرنسا. كما  كان رجلا متحفّظا، وراقيا.

للإشارة، يشارك في معرض "اللوحة النابضة" تسعة فنانين من تلامذة محمد تمّام، وهم: الطاهر بوكروي، وكربوش علي، وجاب الله سعيد، وعلي قفصي، وبومالة عبد القادر، وبوثليجة محمد، وزرقة مقران، وبوعرور سعيد، وبلكحلة مصطفى، بالإضافة إلى عرض عشر لوحات لتمّام من مجموعة متحف الآثار القديمة، من بينها لوحات "باقة ورد"، و«نور السماوات والأرض"، و«نصر من الله"، ولوحة رسمها تمام عن نفسه، وصورة التقطها له السيد علي ماروك.