"رحالة زاده القلم" لوحيدة رجيمي

متعة الرحلة بوسائل العصر

متعة الرحلة بوسائل العصر
  • 1113
مريم. ن مريم. ن

أشار الأستاذ الناقد إبراهيم بادي، إلى أنه حينما قام بتقديم كتاب "رحالة زاده القلم" الذي يندرج في أدب الرحلات، شعر بمسؤولية كبيرة تجاه واحدة من الأديبات اللواتي صاحبنه في رحلة الكتابة منذ زمن، وتربطه بها صداقة عميقة منذ أن جمعتهما بونة. اختارت، بعد ذلك، أن تغامر في شكل جديد من ألوان الكتابة، الذي يسمح لصاحبته بأن تدوّن لحظات مسروقة من الحل والترحال. وقد سمح لها هذا الفن ـ حسب الأستاذ بادي ـ بأن تنقل بأمانة واقتدار، الصور والمشاهد، وتسمي الأسماء بأسمائها، والأمكنة والشخوص، وتصور الحوادث كما هي، وتجمع بين أدب السيرة والسياحة والترحال في شيء من البساطة.

وقد لا يتفاجأ القارئ إذا كان أدب الرحلات محنة قديمة عرفها الإنسان منذ قديم الزمان.. فظهرت عند ابن بطوطة والإدريسي وماركو بولو والمسعودي والبيروني وابن جبير وحسن الوزان وتشارلز ديكينز وإرنست همنغواي وأندري جيد. وقد خَط كل واحد منهم على طريقته، ما يستحق الذكر، وما يدعو إلى الذكر والشهادة. وقد انصرف آخرون إلى الاهتمام بالتاريخ والجغرافيا. واحتكم بعضهم إلى اهتمام أدب الرحلات بعالم الخرافة والملاحم كما في "السندباد"، وما دوّنه أبو العلاء المعري في رسالة الغفران أو ملحمة قلقامش. غير أن ما ظهر في أدب الرحلات عند الأديبة وحيدة رجيمي، أقرب إلى ما ورد في رحلة رفعت رفاعة الطهطاوي في كتاب "تخليص الإبريز في تلخيص باريس"، أو ما ورد في مدونات عبد الرحمن بن خلدون في الجمع بين أدب السيرة والرحلات بين المغرب العربي وإشبيليا وغرناطة والقاهرة. واستفاد كتاب "رحالة زاده القلم" من التطور المذهل لوسائل الاتصال السمعية والبصرية ووسائل النقل الحديثة، وارتبط بأدب السياحة. ولم يعد ممكنا السهو عن الجمع بين السياحة في جمالياتها، والرحلة والسفر في أبعادها.

كانت الكاتبة تروي بدون كلل، عن الأمكنة والأشخاص والعادات والتقاليد. وتنقل من خلال الرحلة ما تراه جميلا أو غريبا. ولم تستثن الأسماء والمدائن والحارات؛ فكان التسجيل عندها تسجيلا وافيا ودقيقا وعميقا. نقلت عن بلاد العرب من تونس وعمان ومصر. كما نقلت عن بلاد العجم كفرنسا وألمانيا في شيء من الصدق الفني. ولم تلجأ إلى الاختزال الممل، ولا إلى الإسراف المخل؛ فكانت الشواهد كافية بلغة بسيطة؛ لغة دعت إليها حاجة الناس في عصر السوشيل ميديا وعصر السرعة؛ أي العصر الذي انتزع المتعة من العدم، واختصر الممكن في أبسط ما تكون الصورة. وكانت الأديبة وحيدة رجيمي (ميرا) فنانة تلقائية، صورت الناس تصويرا دقيقا. وروت عن عاداتهم وطباعهم وسلوكهم ونظمهم الاجتماعية والثقافية. ولم تبخل عن قرائها بالوقوف على المشاهد المشهورة؛ من أكل ولباس وشراب؛ ما جعلها تنجح في الجمع بين أدب السيرة والرحلة والسياحة بدون ضرر ولا إضرار.

ونوعت الأديبة، في الآونة الأخيرة، في المحاولات الخاصة بفن الكتابة؛ بين الشعر وما يستحقه؛ من موسيقى وإيقاع وزجل، وما يميل إليه من نظم وترتيب وإشباع وقصة، وما تتطلبه من امتلاك وحيطة ورواية. وما تدعو إليه من طول نفس، وأدب رحلة في تفاصيله المضنية أحيانا. للإشارة، فإن الأديبة وحيدة ميرا رجيمي تنتمي إلى جيل الثمانينيات الأدبي في الجزائر. وتميزت في كتابة القصة القصيرة جدا. وتعبّر أعمالها عن واقعية الحياة، ونبضها الاجتماعي، والهموم اليومية. وتنسج عملها الإبداعي الواحد بين النثر والسرد واللغة الشعرية والجمل القصيرة المكثفة. وتركز على الصور المعبرة، وتهتم بالتفاصيل التي يتجنبها كثير من الكتّاب.