ندوة "الترجمة.. جسور العبور والاكتشاف"

مترجمون يناقشون الرهانات والأسئلة

مترجمون يناقشون الرهانات والأسئلة
  • 64
لطيفة داريب لطيفة داريب

قدّم أساتذة ومترجمون من مختلف دول العالم، قراءاتهم لموضوع "الترجمة.. جسور العبور والاكتشاف"، خلال ندوة احتضنها فضاء الباناف بالصالون الدولي للكتاب بالجزائر. وتناولت رهانات الترجمة، وأبعادها الثقافية والفكرية، بمشاركة عدد من المترجمين، من بينهم الأستاذ الأمريكي نيك تايلور، الذي ترجم كتابين للأديب محمد ديب. والأستاذ العراقي بسام البزاز، الذي عبّر عن امتنانه للجزائر التي أقام فيها 11 سنة. وهي الفترة التي ترجم خلالها 30 كتابا، معظمها من أدب أمريكا اللاتينية.

تحدّث المترجم والروائي الأمريكي نيك تايلور خلال الندوة، عن تجربته في ترجمة أعمال الأديب الجزائري محمد ديب إلى اللغة الإنجليزية، موضّحا أنّ هذه المبادرة انطلقت من إيمانه بأهمية التعريف بالأدب الجزائري لدى القارئ الأمريكي، الذي لم تتَح له فرصة كافية للاطلاع على روايات محمد ديب باللغة الإنجليزية. وأشار إلى أنّ ترجمته ترمي إلى تعزيز حضور الثقافة الجزائرية، ولا سيما ثقافة غرب الجزائر وتلمسان في الأدب الناطق بالإنجليزية، وجعل هذه الأعمال جسرا ثقافيا وأدبيا يربط بين الجزائر والولايات المتحدة الأمريكية.

كما تطرّق نيك تايلور للعلاقة الأدبية بين محمد ديب والروائي الأمريكي الحائز على جائزة نوبل، جون شتاينبيك، مشيرا إلى أوجه التشابه بين تجربتيهما، ولا سيما في تصوير الحياة الريفية، ومعاناة الطبقات العاملة، والتطرّق لقضايا الكرامة الإنسانية، والعدالة الاجتماعية وحقوق العمال. وأوضح أنّ ترجمته لرواية "الحريق" مكّنته من التعمّق في هذا التقاطع الأدبي، قبل أن تتأكّد له صلة ديب بأدب شتاينبيك من خلال شهادة ابنة الكاتب محمد ديب. واختتم مداخلته بالتأكيد على أهمية ترجمة الأدب الجزائري، وإتاحته أمام القرّاء والباحثين الأمريكيين، معربا عن أمله في استكمال ترجمة الثلاثية الجزائرية، من خلال إصدار الكتاب الثالث من سلسلة أعمال محمد ديب، بعدما أنجز ترجمة روايتي "الدار الكبيرة" و"الحريق “ إلى اللغة الإنجليزية.

من جهته، رأى المترجم العراقي بسام البزاز أنّ الترجمة تتيح لنا السفر دون مغادرة أماكننا. وتمكّننا من التعرف على مدن بعيدة لم يسبق لنا زيارتها. وشبّه المترجم بالمسافر الذي يوثّق المعلومات بالصوت والصورة، واصفا هذا الفعل بالقوة الناعمة. كما رفض في ختام مداخلته، مقولة" المترجم الخائن “، مفضّلا وصفه بـ"بنّاء الجسور".

ومن جانبها، أعربت المترجمة الإيطالية يولاندا غواردي عن أسفها لقلة المترجمين الإيطاليين المهتمين بالأدب الجزائري، مشيرة إلى أنّ إيطاليا شهدت خلال السنة الجارية، صدور خمس ترجمات لأعمال أدبية جزائرية، أربع منها من توقيعها، فيما تعود الترجمة الخامسة إلى فرانشيسكو ليجو، الذي نقل إلى الإيطالية رواية للكاتب عمارة لخوص. ورفضت المترجمة اختزال الترجمة في كونها مجرد جسر للتواصل بين الثقافات، معتبرة إياها فعلا سياسيا، يرتبط بالاختيارات التي يتخذها المترجم أو دار النشر، وما يقرران نقله إلى لغة أخرى.

أما المترجم المصري حجاج أبو جبر فشدّد على ضرورة انتقاء الأعمال التي تستحق الترجمة، والابتعاد عن الترجمة الوظيفية أو ما يُعرف بالترجمة تحت الطلب. كما تناول التحولات التي طرأت على دلالات بعض المصطلحات التي استخدمها المترجمون قديما، مستشهدا بمفهوم “ الفردية “ الذي كان يُقصد به تميّز الإنسان داخل الجماعة، قبل أن يتخذ في وقتنا الراهن دلالة ترتبط بانفصال الفرد التام عن المجموعة، وتأكيد خياراته الخاصة.

وفي المقابل، طرح المترجم التونسي عبد العزيز العيادي مجموعة من التساؤلات المرتبطة بفعل الترجمة، تمحورت حول ماهية الترجمة، والمترجم، وكيفية اشتغاله، وإيتيقا الترجمة، وما ينبغي ترجمته، فضلا عن الرهانات المتوخاة منها. وأوضح أنّ الترجمة تعني الدخول في النص، وأنّ المترجم لا يمكنه أن يكون محايدا أو وفيا للنصّ الذي يشتغل عليه وفاء مطلقا. أما إيتيقا الترجمة فتتصل، حسب شرحه، بإتقان المترجم للّسانَين اللذين يستخدمهما في عملية النقل. وفي ما يتعلق بما ينبغي ترجمته، أوضح أنّ الأمر لا يتعلق بمجرد تلبية ما يطلبه القارئ، بل يتجاوز ذلك إلى إنجاز الترجمة وفق رهان حضاري، مشددا على ضرورة أن يكون فعل الترجمة واضحا، وتحت إشراف أهل الاختصاص.

ومن جهته، تناول الأستاذ كمال بومنير مصطلح "العبور"؛ من خلال دلالات ومعان متعددة؛ إذ يعني، في بعده الأنطولوجي، تحقيق الفهم المتبادَل بين الأنا والآخر، بينما يحيل في معناه الإنساني أو الثقافي، على الانفتاح على الآخر. أما في بعده الإيتيقي فيمثّل العبور أداة لاستقبال الآخر في فضائنا. وفي ما يتعلق بالبعد الجمالي، أشار إلى أنّ هذا الجانب لايزال يحظى باهتمام محدود في الدراسات، داعيا إلى إيلاء الجانب الجمالي للترجمة مزيدا من العناية، من خلال تقاسم الجمال، والاشتراك فيه.