قسنطينة على إيقاع العيساوة
" ليلة الفتح" ترجع الفن الأصيل إلى مسرح الفرقاني
- 243
شبيلة. ح
استعاد مسرح قسنطينة الجهوي "محمد الطاهر الفرقاني"، مساء الأربعاء الماضي، إيقاعات العيساوة وأصوات الإنشاد الجماعي، مع انطلاق فعاليات الطبعة الخامسة عشرة من المهرجان الثقافي الوطني للعيساوة، في عودة هذا الفن التراثي إلى واجهة المشهد الثقافي القسنطيني، وسط حضور جماهيري لافت، وتفاعل كبير، لاسيما من فئة الشباب.
بمجرد انطلاق السهرة الافتتاحية، التي حملت عنوان "ليلة الفتح"، دخل الجمهور في أجواء عيساوية خاصة، صنعتها الوصلات الإنشادية والإيقاعات الجماعية، في مشهد أعاد إلى ركح المسرح، واحدا من الألوان الفنية المرتبطة بذاكرة المدينة وتراثها الروحي، حيث افتتح الفنان عباس ريغي، السهرة، قبل أن تتواصل العروض مع الفنان عبد الجليل سمار، وجمعية "إشراق بونة" من عنابة، وسط تفاعل واضح مع ما قدمته الفرق والفنانين.
ولم تقتصر السهرة على الجانب الفني، إذ حمل افتتاح الطبعة الجديدة للمهرجان، بعدا تكريميا، من خلال الاحتفاء بعدد من شيوخ العيساوة، في التفاتة تعيد الاعتبار إلى الأسماء التي ساهمت في صون هذا الموروث، ونقله بين الأجيال، وتؤكد أن المهرجان لا ينظر إلى العيساوة كعرض موسيقي فحسب، وإنما كذاكرة حية، تستمد حضورها من الممارسة ومن أصحابها. تأتي عودة التظاهرة إلى قسنطينة تحت شعار "العيساوة تراث يجمعنا وثقافة توحدنا"، حسب محافظ المهرجان أحمد بن خلاف، في سياق تسعى من خلاله وزارة الثقافة والفنون، إلى إعادة تنشيط المهرجانات الثقافية الوطنية، وإعطاء مساحة أكبر للموروث الفني الجزائري بمختلف أشكاله، حيث كانت الوزارة قد أعلنت في وقت سابق، استئناف برمجتها الثقافية الوطنية، وتنظيم عدد من المهرجانات الكبرى خلال شهر أوت، بعد تعليق النشاطات الاحتفالية في وقت سابق.
أضاف المحافظ، أن هذه العودة تحمل أيضا، دلالة خاصة بالنسبة لقسنطينة، التي تراهن وزارة الثقافة على تعزيز مكانتها كقطب وطني للثقافة والفكر والإبداع، حيث كانت وزيرة الثقافة والفنون، مليكة بن دودة، قد أكدت في تصريحات سابقة بقسنطينة، أهمية إعادة بعث الحركية الثقافية بالولاية، وترسيخ تقاليد فنية مستدامة، مشددة على ما تزخر به المدينة من كفاءات وطاقات إبداعية، قادرة على مواصلة إشعاعها الثقافي وطنيا ودوليا.
وأشار بن خلاف، إلى أن المهرجان في طبعته الحالية، يحمل رؤية تتجاوز السهرات الفنية، إذ تمتد برمجته إلى النشاطات الفكرية والجوارية، وإلى التعريف بشيوخ ومريدي العيساوة ومسار هذا الفن وخصوصياته، مع مشاركة أسماء وفرق من عدة ولايات، بما يسمح بفتح فضاء للتلاقي بين مختلف المدارس والممارسين لهذا اللون التراثي، حيث ستتحول قسنطينة، وعلى مدار 5 أيام، إلى فضاء للاحتفاء بالعيساوة، عبر سهرات فنية ولقاءات ونشاطات موازية، فيما تمتد بعض الفعاليات إلى فضاءات ثقافية وزوايا، إضافة إلى نشاطات مبرمجة خارج الولاية، بما يوسع دائرة حضور المهرجان ويمنحه بعدا وطنيا.
وبافتتاح الطبعة الخامسة عشرة، لم تستعد قسنطينة مجرد تظاهرة فنية غابت عنها لفترة، بل استعادت جزءا من ذاكرتها الموسيقية والروحية على ركح مسرحها الجهوي، في ليلة بدا فيها الجمهور شريكا في إعادة هذا التراث إلى الواجهة، بينما تتجه بقية أيام المهرجان، إلى مواصلة هذا اللقاء بين العيساوة وجمهورها، وبين الذاكرة القديمة وجيل جديد، يكتشف إيقاعاتها من جديد.
غير أن أجواء الفرح التي عاشها المسرح، سرعان ما أفسحت المجال، أول أمس الخميس، لمشهد وطني مختلف، بعدما خلقت الحرائق التي اندلعت في عدد من ولايات الوسط والشرق، ضحايا وخسائر، وأعلن على إثرها رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، حدادا وطنيا لمدة ثلاثة أيام، ابتداء من الخميس 27 أوت، مع إلغاء مظاهر الاحتفالات الوطنية. وبناء على هذا الظرف الاستثنائي، توقفت بقية فعاليات المهرجان الثقافي الوطني للعيساوة، إلى جانب الأنشطة والتظاهرات الثقافية ذات الطابع الاحتفالي، لتتحول أجواء المهرجان، من الاحتفاء بالموروث، إلى مواساة العائلات التي فقدت أبناءها في هذه الفاجعة الوطنية.