"صمت الأصداء" بالمركز الثقافي الجامعي
..لوحات بإيقاعات الحياة
- 221
مريم. ن
احتضن المركز الثقافي الجامعي، مؤخرا، معرضا تشكيليا جماعيا بعنوان "صمت الأصداء"، عرض أعمال فنانين من أجيال مختلفة، والتقى فيه المكونون أكاديميا والعصاميون، والمحترفون والهواة جمعتهم الريشة وحب الفن الذي هو رسالة ولغة بوح وحوار.
تكاد اللوحات لا تنتهي في هذا المعرض، حيث تتوالى الواحدة بجنب الأخرى، لتغطي جدران القاعة الكبرى للمركز، وما يميزها أنها من مدارس وأساليب مختلفة، كما أن منها ما يشع بألوان الحياة والأنوثة، فيما كانت أخرى تحمل صمتا رهيبا، وكأن الألوان لا تريد الحديث وتكتفي بالظهور المحتشم.
من الفنانين المشاركين، هناك الرسامة ضحى حاكم، وهي طالبة في السنة الثانية، تخصص تعبير تشكيلي بالمدرسة العليا للفنون الجميلة في الجزائر العاصمة، كتبت في تعليق لها بالمعرض، أنه غالبا ما يقال عنها إنها تعيش في عالمها الخاص، وفي أحلامها، مؤكدة أن أفكارها تشبه حقلا تزرعه على مر الفصول، من أجمل ما قدمت "على مرآة مرق"، حيث وضعت في صحن جميل، سمكة غطت كل مساحته، كدليل على الاكتفاء بما هو ذو جودة.
أما الرسامة نرجس دبابحة، فهي فنانة عصامية، تستمد إلهامها من الطبيعة والموسيقى والأدب، واختارت في لوحاتها الطبيعة ليلا، وقد رصعت في لوحة النجوم لتبدو أشبه بفستان سهرة راق، وفي أخرى بدت السماء مفتوحة كالمجرة، في حين تعتمد دانية مشري الطالبة بالمدرسة العليا للفنون الجميلة، الممارسة الفنية القائمة على التجريب، والألوان، متأثرة بفن الشارع والسريالية، ومختلف التيارات المعاصرة، وهي تسعى إلى نقل المشاعر والرسائل، من خلال عالم فني دائم التطور، واختارت للمعرض عدة أعمال، منها تحية عيد الميلاد "سنة حلوة"، وكذا أمل إنسان مجهول ينبض قلبه، وهو ينتظر القادم المأمول، ولوحة عن تاريخ السود بالولايات المتحدة.
قدم إسلام خليفة من المدرسة العليا للفنون الجميلة، أسلوبه الخاص كلغة لقراءة قناعاته وأفكاره، وبرزت من لوحته، امرأة حالمة تغمض عينيها لتعيش في سلام داخلي مع نفسها. كما شاركت الطبيبة سهام حيمر (أرملة وأم لأربعة أطفال) في هذا المعرض، بلوحات تعكس النكهة الجزائرية الأصيلة، خاصة من خلال بعض اللوحات التي تشبه الخزف بلون البحر، وفي لوحة ترسم بتمكن، راقصة فلامينكو رشيقة تفضل تقديم عرضها في عمق البحر وسمتها "أنا الآخر" (رسم على الزجاج)، أما في لوحة "صرخة هادئة" فترسم معاناة المرأة خلال الحمل والمخاض والولادة، وكل ذلك في فضاء تنتشر فيه الأشواك كدلالة على عدم تقدير تضحيات المرأة.
تستمد هذه الفنانة من الفن والرسم على الزجاج، بريق أمل حقيقي لابنتها المصابة بالتوحد، وهي فنانة عصامية شغوفة، تعبر من خلال أعمالها عن مسيرة حياة مطبوعة بالحساسية والمرونة والقدرة على التكيف، تعكس لوحاتها على الزجاج الهشاشة والشفافية والقوة في آن واحد، وهي الصفات التي أصبحت البصمة العاطفية لعالمها الفني.
تشارك في المعرض، ابنة هذه الطبيبة، وتدعى رزان ماريا رويدي (13 عاما، مصابة بطيف التوحد) قدمت لوحات بأسلوب الراحلة باية محيي الدين، وكانت قمة في الإتقان، ما جلب إعجاب كل من يدخل المعرض ويزداد تقديره حين يدرك معاناة هذه الصغيرة، التي لجأت للفن كي تعبر عن نفسها، وإمكانياتها التي قد تفوق إمكانيات الإنسان العادي.
هذه الفنانة الطفلة تدرس في مدرسة "أوتيزما سبيس"، والتي شعارها "الصمت يتحدث"، ورغم كونها غير ناطقة، تجد رزان في الرسم لغة حسية، تعبر من خلالها عن عالمها الداخلي ومشاعرها، مستلهمة من الفنانة باية محي الدين إبداعها وشاعريتها في الرسم، وتعكس أعمالها روحا نقية، تمزج بين البراءة والألوان والحرية، في عالم فني خاص بها وحدهـا.
بالنسبة لمحمد ناصف نبيل سنوسي، فقد اختار الأسلوب التكعيبي، الذي يجيده تماما مع لمحة تأثر بالفنان بابلو، وقد أبدع الفنان في تجسيد الأشكال الهندسية في تناغم يعطي حياة لهذه التشاكيل الجامدة. وتواصل العرض مع آية البتول حماي، التي حملت بعضا من أفكارها عن المرأة وعالمها، فاقترحت امرأة تلف حول نفسها في دوامة، تشير بها إلى ضغوطات الحياة والمجتمع.
اختارت فاطمة الزهراء بقار الطبيعة العذراء، لتحكي الجمال والنقاء، وقد أبدعت في بعض لوحاتها المحببة في رسم الأشجار الباسقة، ربما كانت دعوة للتسلق والهروب من الراهن المعاش، كما يبدو في لوحات أخرى، تعلقها بالأرض، من خلال إبداعها في رسم الطين المبلل.
بدورها، اقترحت مريم موالد يوميات عاصمية، من خلال تصويرها فوتوغرافيا للشوارع والحارات، خاصة العتيقة منها، علما أنها تحمل شهادة ماستر في الفلسفة، وتتعاطى التصوير الفوتوغرافي كهواية. كذلك الحال مع محمد العوادي، المصور الفوتوغرافي، الذي تركز أعماله على الضوء، وعلى الهندسة المعمارية، والأجواء الحضرية، مؤطرة سينمائيا، حيث يلتقط لحظات هادئة تثير الذاكرة والتأمل، لتتحول الشوارع والهياكل العادية إلى سرديات بصرية.
فيما يعمل الرسام العصامي نبيل براهيمي، بشكل أساسي بألوان الأكريليك، مع ميل خاص للفن التجريدي والمعاصر، شارك في صالونات دولية للقصص المصورة، وصالونات وطنية للفنون التشكيلية، بالإضافة إلى العديد من المعارض الجماعية، تملي لوحاته سردا بصريا بين الصمت غير المرئي، وعمق الكينونة، تتجلى في أعماله الروحانية وعلاقتها بالذات.
شاركت في المعرض أيضا، إيفيتا تشرنا، التي توحي لوحاتها بالاسترخاء، خاصة في الطبيعة الخضراء، وكذا بعض معالم العاصمة "الجزائر 2026".