شناوي وزروال يحاضران بمدرسة حفظ الممتلكات الثقافية

لمحة عن المشاهد الثقافية وفن ما قبل التاريخ

لمحة عن المشاهد الثقافية وفن ما قبل التاريخ
البروفسور يوسف شناوي
لطيفة داريب لطيفة داريب

طالب البروفسور يوسف شناوي بمراجعة قانون التراث الثقافي 04-98، ليواكب التصنيف الجديد الذي تعتمده اليونسكو، والمتعلق، خصوصا، بالمناظر أو المشاهد الثقافية، وهو ما سيسمح بتصنيف العديد منها على مستوى الجزائر. وقال في مداخلة له، نهاية الأسبوع الماضي بالمدرسة العليا لحفظ الممتلكات الثقافية وترميمها، إن قانون التراث الجزائري لا يشمل في بنوده أثرا للمناظر الثقافية أو المشاهد الثقافية، علما أن الباحثين العرب لم يتفقوا على تسمية باللغة العربية، Paysages culturels .

لهذا ألح البروفيسور شناوي على أن يواكب التشريع الجزائري التطورات الحاصلة في مسألة تصنيف التراث بأنواعه على مستوى اليونسكو، معتبرا أن مسألة التشريع ومن ثم اقتراح التصنيف على المستويين الوطني والدولي، مهمة السياسي، وما على الخبير إلا تقديم خبرته في هذا المجال، وكذا في قضايا الحفظ والتثمين.

الدولة حامية التراث مطالَبة بتجديد قانونها

ونوّه المحاضر بكون الجزائر من الدول الأوائل التي صادقت على الاتفاقية الدولية للتراث (24 جوان 1974) وحتى في اقتراح تصنيف معالمها؛ حيث تم تصنيف قلعة بني حماد عام 1982، لتتوالى التصنيفات ومن بينها تصنيف الطاسيلي، والذي يُعد تراثا مختلطا؛ أي يجمع بين التراث الطبيعي والتراث الثقافي. وتابع أن وزارة الثقافة كانت استضافت خبراء في التراث عام 2018، للحديث عن إمكانية تعديل قانون 04-98، لكن توقفت المحادثات أثناء الجائحة، وهو ما يدل على وجود إرادة من الدولة في حفظ التراث، ليدعو السلطات المختصة إلى فتح باب الحوار من جديد، حول هذا الموضوع. ومَثل شناوي بلقاء جمع بين الجزائر وتونس والمغرب عام 2012، حول تكييف القوانين المحلية مع تصنيف المناظر الثقافية، علما أن هذه الأخيرة محمية في الحظائر الثقافية الجزائرية، لكنها، حسب المتحدث، تحتاج إلى قوانين خاصة بها، وإلى مصالح تهتم بها تحديدا.

وتطرق مدير مخبر بمدرسة بوليتكنيك للهندسة المعمارية والعمران، لفحوى الدراسة التي قدّمها رفقة أعضاء المخبر في الفترة الممتدة من 2018 إلى 2022، حول معايير تصنيف المناظر الثقافية، مثل الواحات وحدائق القصور، وعلاقتها بالعديد من المجالات مثل الاقتصاد؛ كحال قصر غرداية.

ما هي المشاهد الثقافية؟

بالمقابل، ردّ شناوي على سؤال محدد: "ماذا يُقصد بالمناظر الثقافية أو المشاهد الثقافية؟"، بأن هذا المصطلح يُقصد به التعايش بين الإنسان وبيئته؛ أي أنه عبارة عن ممتلكات ثقافية، تمثل الأعمال المشتركة بين الطبيعة والإنسان، وتنقسم إلى ثلاث فئات رئيسة، وهي منظر طبيعي صمّمه الإنسان عمدا. ومنظر طبيعي متطور عضويًا، والذي قد يكون مشهد بقايا، أو منظرا طبيعيا مستمرا. ومشهد ثقافي ترابطي، يمكن أن يكون قيّما نتيجة للارتباطات الدينية أو الفنية أو الثقافية للعنصر الطبيعي.

وقدّم شناوي عدة أمثلة؛ كاهتمام الصين بهذا التراث الذي يربط الإنسان ببيئته منذ القرن الرابع للميلاد؛ مثل الحدائق، وأراضي زرع الأرز التي لا تُعد مصدر إنتاج للغذاء، فحسب، بل تمثل، أيضا، رمزا لعلاقة الإنسان بمحيطه، بينما عُرف عن العرب تعلّقهم بالواحات، مثلما عليه الأمر في أوروبا الغربية التي تفتخر بكرومها. وأضاف أن أول من اهتم بهذا التراث هو كارل سافر المتخصص في الجغرافيا الثقافية، الذي أدرك أهمية مثل هذه المساحات من الأراضي، مثلا، في تأسيس الهوية المحلية، مشيرا إلى أن المناظر الثقافية قد تتلخص في مزرعة، أو حديقة قصر، أو نشاط إنساني متعلق بالتقاليد، وغيرها.

وختم مداخلته بالتأكيد على أهمية تصنيف المشاهد الثقافية، وتقييمها، وحفظها، وتثمينها، ضمن قوانين تتكيّف مع هذا التجديد الذي أقرته اليونسكو.

فنانون عالميون وجزائريون يستلهمون من فن ما قبل التاريخ

من جهتها، تحدثت الدكتورة زكية زروال في مداخلة لها، عن تأثير فن ما قبل التاريخ على فنانين تشكيليين عالميين؛ من رسّامين ونُحّات، وكذا طلبة المدرسة العليا للفنون الجميلة.

والبداية كانت باستعمال فنانين خيالهم قبل اكتشاف معالم ومنحوتات ورسومات ونقوشات، مثل رسم بول جوزيف جاما لحيوان "الماموث" عام 1885، ليتطور الفن في القرن العشرين بتأثر فنانين عالميين، وفي مقدمتهم بابلو بيكاسو بما تم اكتشافه من تراث عريق، فرسموا ونحتوا فينوس آلهة الحب والجمال والرغبة والجنس والخصوبة والرخاء والنصر لدى الرومان، واسمها في اليونانية الإلهَةُ "أفروديت". ثم رسموا اليد التي تعبّر عن حضور الإنسان في عصور ما قبل التاريخ. ثم اهتموا بموضوع الحيوانات، فالأشكال الهندسية.

وأماطت المحاضرة اللثام عن عدة أعمال استلهم أصحابها لوحاتهم ومنحوتاتهم من مغارة "لاسكو" الفرنسية، حتى إن هناك من عبّر عن هذه التحفة بالفن التركيبي، لتنتقل في حديثها إلى مشروع اقترحته على طلبة المدرسة العليا للفنون الجميلة، تمثل في رسم أو نحت أو حتى استعمال الصورة للتعبير عن تأثرهم بفن ما قبل التاريخ.

وأنجز طلبة أعمالا فنية متأثرين بثلاث مراحل تمس الفن الصخري بالجزائر، الذي ظهر في فترة ما قبل التاريخ، أولها مرحلة الرؤوس الدائرية التي ظهرت بكثرة في منطقتي سيفار وجبران، وثانيها مرحلة بوفيديان (حيوانات مثل الزرافات والأيل)، وثالثتها مرحلة كيبالي (الحصان). وتابعت الدكتورة أن هذه التجربة الفريدة من نوعها، سمحت لطلاب المدرسة بالمزج بين الماضي والحاضر؛ من خلال اكتشاف التراث الأثري الصحراوي. كما تمكنوا من تطوير إبداعهم في هذا المجال.