الرواية "البيست سيلر"
كيف يوفَّق الروائي بين العمق الأدبي وشروط المبيعات؟
- 190
آية توازي
احتضنت القاعة الكبرى "آسيا جبار"، أّوّل أمس، ندوة أدبية تناول فيها روائيون وكتّاب من الجزائر ومصر وإنجلترا، موضوع "كيف نصنع رواية لبيست سيلر؟"، محاولين تسليط الضوء على طرق وأسرار كتابة الروايات وتأليفها، بما يحقق أعلى المبيعات، ويجعلها الأكثر مبيعًا.
في هذا السياق، افتتحت الروائية جوليا شابمان النقاش بعرض تجربتها في كتابة الروايات البوليسية، مؤكّدة أنّ التنبؤ بالعمل الذي سيتحوّل إلى كلاسيكية خالدة، يظلّ أمرًا بالغ الصعوبة. ومن هذا المنطلق أوضحت أنّ القارئ الحقيقي لا تبهره الكلمات السطحية بقدر ما يبحث عما يترك أثرًا عميقًا في الذاكرة، مشددة على أن السر الأهم للنجاح يكمن في "الكتابة بصدق ومن القلب".
ورغم إقرارها بقسوة الحقيقة التجارية وضرورة تحقيق المبيعات لضمان استمرار النشر، فإنّها حذّرت الكاتب من مطاردة صيحات السوق الرائجة على حساب إخلاصه لأسلوبه الخاص. وفي حديثها عن سلسلتها الشهيرة "محققو ديلز"، كشفت شابمان أنّها لم تسعَ إلى الإثارة المجرّدة، بل كانت غايتها استكشاف تأثير الجريمة على المجتمع، ومعالجة مواضيع داكنة مثل البطالة، والاستغلال، والهجرة غير الشرعية.
ورغم نجاح السلسلة اختارت إحداث تغيير جذري نحو سردية دارت أحداثها عام 1979 إبان فترة مارغريت ثاتشر، متجاوزة مخاوف الناشرين، لتؤكّد أنّ الكاتب متى اكتسب صوته المستقل، صار قادرًا على فرض رؤيته الفنية. وفي ختام توجيهاتها للشباب أكّدت أنّ العمل الجاد والإيمان المستمر بالذات ووجود شريك حياة داعم، هي مفاتيح عبور عقبات النشر. من جانبه، طرح الروائي الحبيب السايح مقارنة جوهرية بين الرواية الأدبية الخالصة وتلك المصنفة ضمن "السلع التجارية" التي تكتسح قوائم الأكثر مبيعًا عالميًا مثل أعمال دان براون، مقابل كلاسيكيات خالدة مثل "الأمير الصغير" ، و"دون كيشوت".
وفي السياق نفسه، أشار السايح إلى أنّ كاتب الرواية الأدبية الحقيقية يشتغل بعمق على البناء، واللغة، والشخصيات، ليخلق مشروعًا فريدًا، في حين قد تشبه الرواية التجارية "الورشة" المصمّمة لإرضاء السوق. ولم يفصل السايح إشكاليات الكتابة عن الواقع العربي؛ حيث استعرض عوائق البدايات التي تواجه الروائي في ظل غياب "صناعة كتاب" حقيقية، وأسواق واسعة للتوزيع.
وفي هذا الصدد، أوضح السايح أنّ الرواية العربية تصطدم بضعف التوزيع، وطباعة أعداد محدودة جدًا تتراوح أحيانًا بين 50 و200 نسخة فقط، إضافة إلى الرقابة اللاحقة والاجتماعية التي تؤدي إلى سحب الكتب من المكتبات. كما انتقد استراتيجية دور النشر التي تتنصّل من مسؤوليتها، ولا تقبل النشر إلاّ بمقابل مادي يدفعه الكاتب، لتكتفي بطباعة نسخ قليلة، وتسليمه جزءًا يسيرًا منها؛ ما يجعل الحديث عن مفهوم "بيست سيلر" حقيقي في السوق العربية، أمرًا مستحيلًا.
كما تطرّق السايح للحديث عن زاوية حديثة، تتمثّل في استخدام الذكاء الاصطناعي لاستنباط "خلطة المبيعات"، كما ورد في كتاب The Bestseller Code، ليخلص الحوار إلى أن الآلة تعجز عن تعويض البصمة البشرية العميقة المستمدة من التجربة الوجودية للكاتب، مستحضرًا العمق الفلسفي لدوستويفسكي، وصولًا إلى نجاحات عربية حققت أرقامًا قياسية، كأعمال أحلام مستغانمي.
من جانبه، خصّ الكاتب المصري أحمد خالد مصطفى، جزءًا كبيرًا من مداخلته لتفكيك الأخطاء الشائعة التي يقع فيها الكتّاب في بداياتهم، مقدّمًا دليلًا عمليًا للنفاذ إلى ذائقة القارئ، وسوق النشر. واستهل حديثه بالتأكيد على أنّ اللغة والأسلوب الجميل هما حجر الزاوية في أيّ مشروع روائي ناجح؛ إذ شبّه اللغة بـ"الكاميرا الفنية" التي تلتقط المشاهد ببراعة، وتضمن إبقاء عين القارئ مشدودة فوق السطور دون ملل.
ولم يغفل المتدخّل البعد البصري والتسويقي للعمل الأدبي، مشدّدًا على ضرورة أن يولي الكاتب غلاف الرواية اهتمامًا بالغًا، وذلك من خلال الاستعانة بمصمم خارجي محترف، والإنفاق على هذه الخطوة دون تردّد؛ لكون الغلاف يمثّل الانطباع الأوّل الذي يصنع فارقًا مباشرًا في المبيعات. كما دعا إلى صياغة الكلمة الخلفية بذكاء وتشويق يختزل روح النص، بدلًا من إقحام أسطر معقّدة ومبهمة تنفّر القارئ.
وفي ختام نصائحه، ركّز أحمد مصطفى على أهمية "عتبة الافتتاحية"، داعيًا الكتّاب إلى صبّ عناية استثنائية على الصفحات الثلاث إلى الخمس الأولى من الرواية، لتكون بمثابة الشباك السحري الذي يجذب القارئ، ويحفزه على إكمال الكتاب وسط زخم الإصدارات، والمنافسة الشديدة التي تشهدها المعارض السنوية.
أدب الرعب والفانتازيا
الشغف الجديد لشباب المعرض
يشهد الصالون الدولي للكتاب هذه الأيام، إقبالًا لافتًا، واهتمامًا كبيرًا من طرف القرّاء الشباب، بروايات أدب الرعب، والعوالم الغيبية، والجن والفانتازيا، حيث تصدّرت هذه العناوين أجنحة دُور النشر، والصفوف الأولى للمبيعات. وأمام هذا الإقبال الكثيف يبرز تساؤل جوهري: هل يبحث الشباب في هذه العوالم، عن ملاذ آمن يهربون به من ضغوط الواقع، أم أن ذائقتهم القرائية قد تغيرت نحو نصوص تكسر المألوف، وتمزج بين الخيال واللامعقول؟.
في هذا السياق، أكدت الكاتبة والرسامة كريمة سويسي في حديثها مع "المساء"، أنّ تجربتها في روايتها "عودة آخر ملوك سفار" ، تبرز نموذجًا جميلًا للاندماج بين عالمي الصورة والكلمة، موضّحة أنّ العمل نشأ أصلًا، كقصة مصوّرة "مانغا" من إبداعها الخاص، قبل أن يتحوّل إلى رواية أدبية تشدّ الأنظار، مع ترقّب صدور نسختها المصوّرة قريبًا.
وأضافت المتحدّثة أنّ سرّ الإقبال الواسع من الشباب على هذا النوع من الأدب، يكمن في كون أدب الفانتازيا والتشويق يتميّز بالخفة، والجاذبية، والإثارة، فضلًا عن كونه يلامس مخيّلة جيل يتطلّع دائمًا إلى عوالم افتراضية وبوليسية تكسر المألوف، مؤكّدة أنّ اتّساع خيال الكاتب وقدرته على المزج بين الفنون البصرية والسرد المكتوب، يظلان المفتاح الحقيقي لجذب القارئ الشاب.
من جهته، أكّد مصطفى فتحي ممثل "دار نيسان للنشر والتوزيع" في حديثه مع "المساء"، أنّ حضور الدار في معرض الجزائر الدولي للكتاب، شهد تسليط الضوء على الإقبال الواسع على إصدارات أدب الرعب، والقصص الواقعية والتشويقية. وأوضح المتحدّث أنّ أبرز الإصدارات والكتب المرعبة والواقعية التي عُرضت وتشهد إقبالًا كبيرًا من القراء الشباب، تشمل روايات "الضباع لا تأكل الموتى"، و"الهامسون من الظلام"، و"فصل الموت"، و"أشباح المقبرة".
ومن جهتها، أوضحت الكاتبة هبة الرحمان سعيدي في حديثها مع "المساء"، أنّ إصدارها الجديد الموسوم بـ"وارثة الظلام" ، تدور أحداثه حول فتاة تدعى "روزي"، تواجه مصيرًا قاسيًا بعد فقدان والديها، لتلجأ مؤقتًا إلى منزل "الغارين العتيق" ؛ أملًا في استقرار مادي ينهي معاناتها. وهناك تكتشف أنّ إقامتها تتحوّل إلى صراع مرير مع أرض تطاردها، وأسرار مرعبة تتكشف تدريجيًا.
وأضافت الكاتبة أن هذا العمل يأتي ليؤكد الإقبال المتزايد من طرف الشباب على أدب الخيال والرعب؛ بحثًا عن تجارب قراءة فريدة تمزج بين الواقع واللامعقول. وهو ما تجلى بوضوح من خلال التفاعل الجماهيري، والتجاوب الكبير عبر منصات التواصل الاجتماعي ومعرض الكتاب. وفي السياق نفسه، أشارت الكاتبة دليلة بربارة في حديثها مع "المساء"، إلى أنّ روايتها "الزوهري ابن الجن" ، تأخذ القارئ في رحلة ممتعة للغوص في أعماق العالم الآخر، وأسرار المنامات والرؤى، وفق مقاربة دلالية وفلسفية عميقة، تفكّك طبيعة الارتباطات غير الشرعية.
وخلال جولة ميدانية بين أروقة الصالون الدولي للكتاب، تقاطعت آراء الزوّار من القرّاء الشباب حول سرّ هذا الشغف الكبير؛ إذ يرى أيوب الذي يبلغ من العمر 21 سنة، أنّ الانجذاب إلى هذه الروايات يمثّل محاولة للخروج من روتينية الحياة والضغوط اليومية، للحصول على جرعة عالية من الإثارة، بينما تعبّر سارة ابنة 19 عامًا، عن إعجابها بالصياغة البصرية، والتشويق العالي الذي يلبي فضول جيلها. وفي المقابل، يبدي أمين البالغ من العمر 24 سنة، تحفُّظه، موضحًا أن كثيرًا من هذه العناوين تعتمد على عناوين مثيرة لجذب المبيعات فقط، وتفتقر إلى العمق الفكري.