"الياسمين" ليوسف تمامرة برواق "عائشة حداد"

كلاسيكيات ترجمان التراث مع بناء بصري داعم

كلاسيكيات ترجمان التراث مع بناء بصري داعم
  • 238
مريم . ن مريم . ن

يتعطر رواق "“عائشة حداد" بعبق الياسمين، مستقبِلا الفنان يوسف تمامرة، الذي اختار هذا الزهر ليزين به تراثنا الجزائري، كما كان يفعل الأجداد، حين كان الياسمين حاضرا في كل فرح وفي كل ما هو جميل. طغى الريف القبائلي الأصيل على أغلب اللوحات، وما ميزه هو حضور المرأة القروية بأشغالها ويومياتها في البيت والطبيعة، كما خصص الفنان لوحات أخرى لمناطق أخرى، عرفت بتراثها الزاخر، منها الفانتازيا، وطلت أيضا حسناوات المدن والحواضر، مع تحية خاصة لحي القصبة العتيق.

أغلب اللوحات التي احتواها معرض "الياسمين" للفنان يوسف تمامرة، برواق "عائشة حداد"، والممتدة فعالياته حتى 27 جويلية الجاري، هي من الحجم المتوسط والكبير، وأغلبها بالأسلوب الواقعي الكلاسيكي، مرسومة على القماش بالألوان الزيتية، وبعضها القليل بالمائية.

الإحساس تجاوز مهارة الريشة

تصدر الريف القبائلي المشهد العام بسيادة مطلقة للمرأة، التي تحمل على أكتافها عبء المهام داخل وخارج البيت، مستحضرا تلك الأشغال التي ربما اختفت بشكل ملحوظ في أيامنا، بفعل العصرنة، علما أن الفنان أبدع إلى حد كبير في تصوير بعض المشاهد، ليس فقط بريشته، بل أيضا بإحساسه الراقي، الذي سرعان ما يصل مباشرة للمتلقي، حتى ولو لم يكن يعرف من قبل هذا الريف، ولا حتى الجزائر.

من أجمل اللوحات، لوحة كبيرة وكأنها مشهد حقيقي، تعبر مجرياته حية أمام العين، تخص أُما شابة تداعب ابنها الصغير لحظة النوم في سريره المتأرجح، تظهر فيه الألوان الجميلة، كما تتفتق فيه مشاعر الأمومة والحنان في أبهى صورها، كذلك لوحة أخرى من ذات البيئة القبائلية، لسيدة تطحن القمح بالرحى التقليدية في راحة وهدوء، وهي تجلس وسط بيتها، وأخرى هناك في لوحة أخرى، تحمل حفنة من الزيتون، توحي بموسم الجني، حيث تتعاون النسوة من كل الأعمار والبيوت من أجل الجني، لتصور لوحات أخرى الزيت اللذيذ والمبارك، وهو مسكوب في صحون في موائد الطعام، ناهيك عن لوحة المرأة التي تطهو الخبز على الحطب، مبتسمة، وكأنها لقطة مصورة فوتوغرافيا.

دائما في هذا الريف الجميل، تطل سيدات أخريات، يمثلن الأصالة والحكمة، ويمثلن بحق رائحة الأجداد، وكلهن متقدمات في السن، يجلسن في ثبات وينظرن نحو أفق بعيد، يتطلعن فيه نحو أجيال قادمة ستأتي، عليها الحفاظ على هذه الأصالة وهذا الموروث، وقد أبدع تمامرة أيضا في زركشة الفساتين القبائلية، ومع كل أكسسواراتها، وكذا إبراز الوشم الذي حفر بعض أيدي العجائز، المتعبة من مشقة سنين من العمل.

لمسة كلاسيكية ترسم التراث

من هناك أيضا، تتجلى لوحة الفانتازيا التي توحي بالبصمة الاستشراقية وببعض لوحات عمالقة الفن الجزائري، حيث اللباس التقليدي للفرسان، وربما هو مشهد يوحي أيضا بتاريخ المقاومات الشعبية في القرن 19. يغادر الفنان يوسف القرى والبوادي، ليتجه رأسا نحو البهجة، حيث تتراءى أصالة أخرى مخبأة تحت “الحايك والعجار”، الذي صوره الفنان عبر العديد من اللوحات، متوقفا عند أدق التفاصيل، منها العجار مثلا، وطرق حياكته، كالحريري أو المرصع بالشبيكة، ناهيك عن طلة العاصمية الحضرية ولباسها الملكي الأصيل، وجمالها الذي مهما احتجب يظهر سحره.

بالنسبة للمعالم، فقد ركز الفنان في بعض لوحاته (أكثر من 30 لوحة) على حي القصبة، من خلال دروبها وأزقتها وحركة المارة فيها، وكل ما هناك من يومياتها، كالتجار الذين يقفون في دكاكينهم مثلا، والباعة المتجولون والأطفال العابرون هنا وهناك في خفة، ما أعطى للوحات روحا. قرى أخرى تبدو من الجنوب، خاصة من بسكرة وبوسعادة، وكانت بألوان ترابية تبدو فيها البيوت الحجرية التي تقترب من البساتين والواحات الباسقة، وتفنن التشكيلي في رسم تفاصيل الأشخاص، من خلال اللباس التقليدي للرجال والنساء. وكان للطبيعة نصيب في المعرض، من خلال بعض اللوحات عن النباتات، خاصة منها الورود، وكذا بعض الغابات والجبال والأنهار وغيرها.

بورتريهات قاتمة

لوحات أخرى متفاوتة الحجم، عبارة عن بورتريهات لأشخاص، أحدهم إنسان بائس يبدو متشردا، تعبيرا عن قسوة الحياة، وأخرى لفقير بقفته يجلس في ساحة المدينة، وغيرها من الشخوص التي كانت ألوانها قاتمة وباهتة أحيانا، لا ضوء فيها سوى بعض من النور الرمادي الذي يعكس لون السماء الرمادية. عموما، يعكس المعرض مدى انغماس صاحبه في التراث، الذي يلتقط روحه قبل معالمه، ما يعطي لإبداعه طاقة لا نهاية لها، مع لغة تشكيلية ثرية بصريا، مبنية على تقنيات وإشارات وأبعاد تزيد من قيمة اللوحات.