من الذاكرة الرومانية إلى الفضاء الإسلامي
قراءة في مسارات الأسلمة والتعريب
- 183
آية توازي
صدر حديثًا عن المركز الأكاديمي للأبحاث، كتاب جامع بعنوان "أسلمة الغرب الإسلامي وتعريبه في العصر الوسيط، من القرن السابع إلى القرن الثاني عشر الميلادي" . جاء هذا العمل تحت إشراف مجموعة من المؤلّفين، وبإشراف المؤرّخ الفرنسي البارز دومينيك فاليريان، وترجمة الأكاديمي الجزائري علاوة عمارة.
ويطرح الكتاب في جوهره تساؤلات عميقة حول طبيعة التحوّلات التي شهدها الغرب المتوسّطي على مدار قرون عدّة، وكيف تحوّل هذا الفضاء الذي تداخلت فيه الموروثات الرومانية والمسيحية والمحلية، إلى جزء لا يتجزّأ من العالم الإسلامي، وكيف تَرافق انتشار الإسلام مع صعود العربية، وتحوُّل البنى الاجتماعية والثقافية والسياسية.
ويتجاوز الإصدار التصوّرات التقليدية التي تختزل هذه التحوّلات الكبرى في الفتح العسكري أو الانتقال الديني المباشر.
وعوضًا عن ذلك، اعتمد المؤلّفون على قراءة تقاطعية تجمع بين المصادر العربية واللاتينية، والشواهد الأثرية، والمسكوكات، والأختام، والمعطيات العمرانية واللغوية، لتتبّع الكيفية التي أعادت بها المجتمعات المحلية في بلاد المغرب والأندلس، تشكيل هويّاتها.
وتكشف دراسات الكتاب عن مسارات متباينة ومعقّدة للأسلمة، تتجاوز السطحية إلى تفكيك استمرار الجماعات المسيحية والمعتقدات المحلية، وآليات انتشار الإسلام، وترسّخ مؤسّساته، فضلاً عن تحوّلات أنماط الاستيطان، والملكيات، والضرائب والأنساب، وما رافقها من تغيّرات عميقة في اللغة والمجال والثقافة.
وبهذا يقدّم الكتاب قراءة تاريخية متعدّدة المصادر لواحدة من أعمق عمليات التحوّل الحضاري، التي شهدها غرب البحر المتوسّط في العصر الوسيط.
ويأتي هذا العمل ثمرةً لجهود أكاديمية رفيعة المستوى لأسماء بارزة، حيث يشغل دومينيك فاليريان منصب أستاذ التاريخ الوسيط في جامعة باريس الأولى (بانتيون-السوربون). وينتمي إلى فريق "الإسلام الوسيط" . وتتركّز أبحاثه على المغرب الوسيط، وشبكات التجارة والتبادل، بينما يحمل الدكتور علاوة عمارة درجة الدكتوراه من جامعة السوربون سنة 2002. وهو أستاذ بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة، وباحث مشارك في عدّة مراكز بحث. له أزيد من مائة دراسة وبحث. وحقّق العديد من النصوص والوثائق التاريخية.