ولادات متعسرة، العبور إلى الحداثة في أوروبا والمشرق
قراءة في تغيرات فرضها الداخل والخارج
- 784
الوكالات
يسعى كتاب "ولادات متعسرة.. العبور إلى الحداثة في أوروبا والمشرق"، لتقديم تفسير مختلف عن التفسيرات القائمة لتشكيل العالم الثالث المعاصر، حتى وصل إلى الصورة التي عليها الآن، من خلال رفض تصوير التغيرات الاجتماعية أو تصنيفها ضمن "ثنائية" تقوم على تفسيرها؛ باعتبارها ناتجة إما عن تأثيرات "داخلية محلية" أو "خارجية دولية"، تتعلق بعلاقتها بأوروبا.
إن أوروبا في أوائل انتقالها إلى الحداثة - مثلها مثل العالم الثالث - لم تتطور في عزلة عن الخارج، ولكن ما حدد حصيلة التفاعل مع الخارج هو طبيعة العلاقات الاجتماعية التي سادت هذه المجتمعات، وكان هذا التفاعل ينطوي على "تصادم" كتلتين أو أكثر من أصحاب المصالح.
مؤلف ومترجم الكتاب هو عصام الخفاجي، مفكر عراقي وأستاذ في عدة جامعات أوروبية وأمريكية، متخصص في الاقتصاد السياسي والعلوم الاجتماعية، وعمل مستشارا للبنك الدولي في واشنطن، وله عشرات الكتب والأبحاث والمقالات بالعربية والإنجليزية والفرنسية.
الكتاب مكوَّن من تسعة فصول، يتناول الفصل الأول مرحلة "ما قبل الرأسمالية" في عدد من دول المشرق العربي، منها: مصر وسوريا والعراق ولبنان في الفترة من منتصف القرن الـ19 وحتى النصف الثاني من القرن العشرين، وهي ما يمكن تسميتها مرحلة "صعود أرستقراطية كبار ملاّك الأراضي" إلى السلطة، وتأثيرها الكبير في نشوء النظام الاجتماعي وقتها.
ويناقش المؤلف بالتفصيل طبيعة النظم الزراعية التي كانت مطبَّقة في تلك الدول، والتي شكلت القطاع الإنتاجي الأكثر أهمية في اقتصاديات المنطقة؛ باعتبارها توفر نحو ربع الدخل القومي لهذه البلدان.
ويرى أن العلاقات الاجتماعية في المجال الزراعي حدّدت أداء ووظائف المجتمع كله، وهو ما ينفي، بوضوح، وصف الرأسمالية عن مجتمعات المشرق في تلك الفترة.
لقد هيمن كبار ملاّك الأرضي الزراعية على الحياة الاقتصادية لبلدان المشرق. وفي غياب مصادر الدخل المستقلة للحكومات لعب كبار الملاّك دورا شديد الأهمية في تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع.
وعلى سبيل المثال، ففي برلمانات ما قبل ثورة 1952 كان كبار ملاّك الأراضي يحوزون ما بين 37.85% و53,8% من أعضائها، وفي تشكيل الحكومات وصلت نسبتهم في بعض الفترات إلى 100% من الوزراء.
ويناقش الفصل الثاني الأزمات التي واجهتها دول المشرق في رحلة ما قبل الرأسمالية، ويشير إلى أنه رغم أن تعزيز العلاقات قبل الرأسمالية حقق فرصا لتحقيق ثروات هائلة لطبقة ملاّك الأراضي، وجاء فتح الأسواق الداخلية والخارجية ليضاعف من هذه الفرص، إلا أن أزمات تلك النظم برزت على السطح، وكان من بينها تدفّق المهاجرين من الريف إلى المدن الرئيسة، وهذا التدفق لعب دورا حاسما في إحداث التغيرات الاجتماعية الجذرية التي عرفتها المنطقة طوال نصف القرن الأخير.
ويمكن القول إن الأغلبية العظمى من سكان المشرق كانت وقتها لاتزال ملتصقة بالأرض بشكل جماعي؛ لذا فإن نشوء أشكال ملكية واستغلال رأسماليين كان أمرا لا يمكن تخيله، ولم تعرف أرياف المشرق ثورات فلاحية عنيفة على نطاق واسع، عكس روسيا والصين قبل ثورتيهما.
ويشير المؤلف في الفصل الثالث إلى أن المشرق لم يكن ناضجا بعد لحدوث ثورات فلاحية شاملة، لكن من المؤكد أن الانتفاضات الجزئية العنيفة والمتكررة في المدن بوجه خاص، هزت أسس النظم السياسية ومشروعيتها الاقتصادية والاجتماعية القائمة.
«لقد هيمن كبار ملاّك الأراضي الزراعية على الحياة الاقتصادية لبلدان المشرق. وفي غياب مصادر الدخل المستقلة للحكومات لعب كبار الملاّك دورا شديد الأهمية في تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع". وباستعراض توزيعات السكان في كل من مصر وسوريا والعراق ـ والتي تشير إلى أن نسبة التحضر في أواخر العقد الرابع من القرن العشرين كانت تقارب مثيلتها في أوروبا في عام 1890- يتبين أن أوروبا وصلت إلى هذا المستوى حين غدت الصناعة تمثل ما بين 20 و25% من ناتجها المحلي الإجمالي، بينما كان المشرق أبعد ما يكون عن ذلك.
والسبب في نظر المؤلف أن التركيبة الاجتماعية لتشكيلة "ما قبل الرأسمالية" أغلقت بناها الاجتماعية أو الطبقية الداخلية سبل العبور إلى الرأسمالية. ولا شك في أن القوى الاستعمارية، ومن ثم المراكز الرأسمالية المتقدمة، لعبت دورا شديد الأهمية في إحباط عمليات التصنيع عبر إصرارها على فتح الأسواق المحلية، وهو ما جعل الصناعات المحلية الناشئة تحت رحمة المنافسة الشرسة مع السلع، الأرخص ثمنا، والأفضل نوعية التي أنتجتها تلك المراكز.
وفي الفصل الرابع، يشير المؤلف إلى أن نقاط الانعطاف في تاريخ المجتمعات الأوروبية وكذلك الشرقية، شهدت أعمالا جماعية من جانب أعضاء في جماعات كانت تعتبر نفسها منتمية إلى عوالم مختلفة كليا قبل ذلك.
ويمكن القول إن الشروط الاجتماعية هي التي كانت تملي قواعد التغيير وحدوده حتى لو حاولت "الطليعة" إقامة شيء آخر، وهذا هو الدرس المستخلَص من المصير المأساوي للثورة البلشفية، التي لم يكن بوسعها المضيّ أبعد من حدودها الزمنية، أو سياق تطور المجتمع رغم الأحلام الطموحة للحزب الشيوعي وقتئذ.
ولم تكن التغيرات التحويلية لمجتمعات الشرق استثناء من ذلك؛ إذ إن أحلام الثوريين وأوهامهم والطرق التي تقاطعت فيها تلك الأوهام مع معاناة الناس العاديين، ثم الانهيار التام لمخططات التحديث الكبرى والأزمات المتعددة التي نجمت عن ذلك، اصطدمت بالشروط الاجتماعية.
يستعرض الفصل الخامس دور الجماعة والسلطة والهوية وعلاقاتها ببعضها بعضا، لينتهي إلى القول إن ثمة مشروعية وضرورة لرفض النظر إلى الدولة بوصفها مجرد انعكاس لمصالح طبقة حاكمة؛ باعتبار أن هذه الطبقة الحاكمة قد لا تتشارك في الواقع في نظرتها إلى العالم، ولا في معظم المصالح الأخرى؛ لأنها لا تعيش في فراغ، بل تعتمد في تحقيق مصالحها على وجود فاعلين آخرين كثر في المجتمع.
وحتى تحافظ الدولة على قابليتها للحياة فإن عليها أن تنظم النزاعات الاجتماعية بطريقة تعكس علاقات القوى السائدة بين الطبقات، وداخل تلك الطبقات وبين الأجنحة المختلفة لها.
ويتحدث الفصل السادس عن الهجرات الداخلية من الريف إلى المدن في دول المشرق بحثا عن الرزق، وهو ما أدى إلى ظهور قادة جدد يبحثون عن قواعد يعتمدون عليها في الحصول على مكاسب.
لقد كانت خلفية القادة الثوريين القادمين من مناطق فقيرة أو المعتنقين لمذاهب مقهورة في صلب نظرتهم إلى الانقسامات الطبقية في مجتمعاتهم، وإلى الحلول التي تبنّوها لتحقيق انسجامها، وتحقيق العدالة الاجتماعية؛ وبالتالي ما إن أنجزت الثورات الأهداف التي رحّب بها معظم السكان، حتى ظهرت التشققات في صفوف الثوريين بادية للعيان، وهو أمر مرت به معظم إن لم يكن كل الثورات، وهو ما يُظهر ضعف القاسم المشترك بين هؤلاء القادة.
«يمكن القول إن الثورات لا تبني طبقات أو فئات جديدة، بل تقنّن تحولات مجتمعية كانت تشق طريقها في ظل النظم السابقة، وتعيد صياغة العلاقات بين فئات كثيرة في المجتمع".
وفي الفصل السابع يشير المؤلف إلى أن هذه الثورات انتهت بأن احتكرها قادة انشغلوا عن الروابط الإيديولوجية، واعتبروها غير كافية لصياغة وتطبيق سياسات عملية ملموسة، تتسم بالتفصيل والتناغم.
ولم يكن صراع القوى في المراكز العليا ما جعل هذا المآل ممكنا، بل إنه تشظِّي مجتمعات الشرق، وتزايد قدرة الدولة على لعب الدور المسيطر على الاقتصاد، فضلا عن جملة من العوامل الأخرى.
ويحلل الفصل الثامن طبيعة العلاقة بين السلطة والثروة في مشرق ما بعد الثورات، لينتهي بالتأكيد إلى أن الدولة والطبقة ليستا مقولتين متوازيتين، بل كلتاهما تمر بتغيرات في فترات التحول، ولا يمكن التكهن بنتائجها باستخدام تأكيدات تبسيطية تتناول أحلام ونوايا القادة السياسيين.
وفي الفصل التاسع والأخير، يؤكد المؤلف أن العمليات المتشابهة التي مر بها المشرق وأجزاء من أوروبا عبر لحظات تاريخية محددة من تطور المنطقتين، قادت إلى قيام بنى اقتصادية واجتماعية وسياسية متشابهة، وأيضا قادت أزمات وصراعات متشابهة إلى إنتاج عمليات اجتماعية وثقافية واقتصادية متشابهة.
وهذا يشكّك في المزاعم التي تقول إن أوروبا الاستعمارية غيرت مجرى تطور العالم الثالث جذريا، مما جعل العبور الأوروبي إلى الرأسمالية حالة فريدة من نوعها، وإن تشجيع قيام الرأسمالية في العالم الثالث - ومنه المشرق - إما مشروع محكوم عليه بالفشل المسبق، أو أنه غير ممكن الحدوث من دون توافر عوامل "خارجية"، هي بالتحديد السياسات الغربية الهادفة إلى تحقيقه.
في النهاية يمكن القول إن الثورات لا تبني طبقات أو فئات جديدة، بل تقنّن تحولات مجتمعية كانت تشق طريقها في ظل النظم السابقة، وتعيد صياغة العلاقات بين فئات كثيرة في المجتمع.
إن أوروبا في أوائل انتقالها إلى الحداثة - مثلها مثل العالم الثالث - لم تتطور في عزلة عن الخارج، ولكن ما حدد حصيلة التفاعل مع الخارج هو طبيعة العلاقات الاجتماعية التي سادت هذه المجتمعات، وكان هذا التفاعل ينطوي على "تصادم" كتلتين أو أكثر من أصحاب المصالح.
مؤلف ومترجم الكتاب هو عصام الخفاجي، مفكر عراقي وأستاذ في عدة جامعات أوروبية وأمريكية، متخصص في الاقتصاد السياسي والعلوم الاجتماعية، وعمل مستشارا للبنك الدولي في واشنطن، وله عشرات الكتب والأبحاث والمقالات بالعربية والإنجليزية والفرنسية.
الكتاب مكوَّن من تسعة فصول، يتناول الفصل الأول مرحلة "ما قبل الرأسمالية" في عدد من دول المشرق العربي، منها: مصر وسوريا والعراق ولبنان في الفترة من منتصف القرن الـ19 وحتى النصف الثاني من القرن العشرين، وهي ما يمكن تسميتها مرحلة "صعود أرستقراطية كبار ملاّك الأراضي" إلى السلطة، وتأثيرها الكبير في نشوء النظام الاجتماعي وقتها.
ويناقش المؤلف بالتفصيل طبيعة النظم الزراعية التي كانت مطبَّقة في تلك الدول، والتي شكلت القطاع الإنتاجي الأكثر أهمية في اقتصاديات المنطقة؛ باعتبارها توفر نحو ربع الدخل القومي لهذه البلدان.
ويرى أن العلاقات الاجتماعية في المجال الزراعي حدّدت أداء ووظائف المجتمع كله، وهو ما ينفي، بوضوح، وصف الرأسمالية عن مجتمعات المشرق في تلك الفترة.
لقد هيمن كبار ملاّك الأرضي الزراعية على الحياة الاقتصادية لبلدان المشرق. وفي غياب مصادر الدخل المستقلة للحكومات لعب كبار الملاّك دورا شديد الأهمية في تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع.
وعلى سبيل المثال، ففي برلمانات ما قبل ثورة 1952 كان كبار ملاّك الأراضي يحوزون ما بين 37.85% و53,8% من أعضائها، وفي تشكيل الحكومات وصلت نسبتهم في بعض الفترات إلى 100% من الوزراء.
ويناقش الفصل الثاني الأزمات التي واجهتها دول المشرق في رحلة ما قبل الرأسمالية، ويشير إلى أنه رغم أن تعزيز العلاقات قبل الرأسمالية حقق فرصا لتحقيق ثروات هائلة لطبقة ملاّك الأراضي، وجاء فتح الأسواق الداخلية والخارجية ليضاعف من هذه الفرص، إلا أن أزمات تلك النظم برزت على السطح، وكان من بينها تدفّق المهاجرين من الريف إلى المدن الرئيسة، وهذا التدفق لعب دورا حاسما في إحداث التغيرات الاجتماعية الجذرية التي عرفتها المنطقة طوال نصف القرن الأخير.
ويمكن القول إن الأغلبية العظمى من سكان المشرق كانت وقتها لاتزال ملتصقة بالأرض بشكل جماعي؛ لذا فإن نشوء أشكال ملكية واستغلال رأسماليين كان أمرا لا يمكن تخيله، ولم تعرف أرياف المشرق ثورات فلاحية عنيفة على نطاق واسع، عكس روسيا والصين قبل ثورتيهما.
ويشير المؤلف في الفصل الثالث إلى أن المشرق لم يكن ناضجا بعد لحدوث ثورات فلاحية شاملة، لكن من المؤكد أن الانتفاضات الجزئية العنيفة والمتكررة في المدن بوجه خاص، هزت أسس النظم السياسية ومشروعيتها الاقتصادية والاجتماعية القائمة.
«لقد هيمن كبار ملاّك الأراضي الزراعية على الحياة الاقتصادية لبلدان المشرق. وفي غياب مصادر الدخل المستقلة للحكومات لعب كبار الملاّك دورا شديد الأهمية في تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع". وباستعراض توزيعات السكان في كل من مصر وسوريا والعراق ـ والتي تشير إلى أن نسبة التحضر في أواخر العقد الرابع من القرن العشرين كانت تقارب مثيلتها في أوروبا في عام 1890- يتبين أن أوروبا وصلت إلى هذا المستوى حين غدت الصناعة تمثل ما بين 20 و25% من ناتجها المحلي الإجمالي، بينما كان المشرق أبعد ما يكون عن ذلك.
والسبب في نظر المؤلف أن التركيبة الاجتماعية لتشكيلة "ما قبل الرأسمالية" أغلقت بناها الاجتماعية أو الطبقية الداخلية سبل العبور إلى الرأسمالية. ولا شك في أن القوى الاستعمارية، ومن ثم المراكز الرأسمالية المتقدمة، لعبت دورا شديد الأهمية في إحباط عمليات التصنيع عبر إصرارها على فتح الأسواق المحلية، وهو ما جعل الصناعات المحلية الناشئة تحت رحمة المنافسة الشرسة مع السلع، الأرخص ثمنا، والأفضل نوعية التي أنتجتها تلك المراكز.
وفي الفصل الرابع، يشير المؤلف إلى أن نقاط الانعطاف في تاريخ المجتمعات الأوروبية وكذلك الشرقية، شهدت أعمالا جماعية من جانب أعضاء في جماعات كانت تعتبر نفسها منتمية إلى عوالم مختلفة كليا قبل ذلك.
ويمكن القول إن الشروط الاجتماعية هي التي كانت تملي قواعد التغيير وحدوده حتى لو حاولت "الطليعة" إقامة شيء آخر، وهذا هو الدرس المستخلَص من المصير المأساوي للثورة البلشفية، التي لم يكن بوسعها المضيّ أبعد من حدودها الزمنية، أو سياق تطور المجتمع رغم الأحلام الطموحة للحزب الشيوعي وقتئذ.
ولم تكن التغيرات التحويلية لمجتمعات الشرق استثناء من ذلك؛ إذ إن أحلام الثوريين وأوهامهم والطرق التي تقاطعت فيها تلك الأوهام مع معاناة الناس العاديين، ثم الانهيار التام لمخططات التحديث الكبرى والأزمات المتعددة التي نجمت عن ذلك، اصطدمت بالشروط الاجتماعية.
يستعرض الفصل الخامس دور الجماعة والسلطة والهوية وعلاقاتها ببعضها بعضا، لينتهي إلى القول إن ثمة مشروعية وضرورة لرفض النظر إلى الدولة بوصفها مجرد انعكاس لمصالح طبقة حاكمة؛ باعتبار أن هذه الطبقة الحاكمة قد لا تتشارك في الواقع في نظرتها إلى العالم، ولا في معظم المصالح الأخرى؛ لأنها لا تعيش في فراغ، بل تعتمد في تحقيق مصالحها على وجود فاعلين آخرين كثر في المجتمع.
وحتى تحافظ الدولة على قابليتها للحياة فإن عليها أن تنظم النزاعات الاجتماعية بطريقة تعكس علاقات القوى السائدة بين الطبقات، وداخل تلك الطبقات وبين الأجنحة المختلفة لها.
ويتحدث الفصل السادس عن الهجرات الداخلية من الريف إلى المدن في دول المشرق بحثا عن الرزق، وهو ما أدى إلى ظهور قادة جدد يبحثون عن قواعد يعتمدون عليها في الحصول على مكاسب.
لقد كانت خلفية القادة الثوريين القادمين من مناطق فقيرة أو المعتنقين لمذاهب مقهورة في صلب نظرتهم إلى الانقسامات الطبقية في مجتمعاتهم، وإلى الحلول التي تبنّوها لتحقيق انسجامها، وتحقيق العدالة الاجتماعية؛ وبالتالي ما إن أنجزت الثورات الأهداف التي رحّب بها معظم السكان، حتى ظهرت التشققات في صفوف الثوريين بادية للعيان، وهو أمر مرت به معظم إن لم يكن كل الثورات، وهو ما يُظهر ضعف القاسم المشترك بين هؤلاء القادة.
«يمكن القول إن الثورات لا تبني طبقات أو فئات جديدة، بل تقنّن تحولات مجتمعية كانت تشق طريقها في ظل النظم السابقة، وتعيد صياغة العلاقات بين فئات كثيرة في المجتمع".
وفي الفصل السابع يشير المؤلف إلى أن هذه الثورات انتهت بأن احتكرها قادة انشغلوا عن الروابط الإيديولوجية، واعتبروها غير كافية لصياغة وتطبيق سياسات عملية ملموسة، تتسم بالتفصيل والتناغم.
ولم يكن صراع القوى في المراكز العليا ما جعل هذا المآل ممكنا، بل إنه تشظِّي مجتمعات الشرق، وتزايد قدرة الدولة على لعب الدور المسيطر على الاقتصاد، فضلا عن جملة من العوامل الأخرى.
ويحلل الفصل الثامن طبيعة العلاقة بين السلطة والثروة في مشرق ما بعد الثورات، لينتهي بالتأكيد إلى أن الدولة والطبقة ليستا مقولتين متوازيتين، بل كلتاهما تمر بتغيرات في فترات التحول، ولا يمكن التكهن بنتائجها باستخدام تأكيدات تبسيطية تتناول أحلام ونوايا القادة السياسيين.
وفي الفصل التاسع والأخير، يؤكد المؤلف أن العمليات المتشابهة التي مر بها المشرق وأجزاء من أوروبا عبر لحظات تاريخية محددة من تطور المنطقتين، قادت إلى قيام بنى اقتصادية واجتماعية وسياسية متشابهة، وأيضا قادت أزمات وصراعات متشابهة إلى إنتاج عمليات اجتماعية وثقافية واقتصادية متشابهة.
وهذا يشكّك في المزاعم التي تقول إن أوروبا الاستعمارية غيرت مجرى تطور العالم الثالث جذريا، مما جعل العبور الأوروبي إلى الرأسمالية حالة فريدة من نوعها، وإن تشجيع قيام الرأسمالية في العالم الثالث - ومنه المشرق - إما مشروع محكوم عليه بالفشل المسبق، أو أنه غير ممكن الحدوث من دون توافر عوامل "خارجية"، هي بالتحديد السياسات الغربية الهادفة إلى تحقيقه.
في النهاية يمكن القول إن الثورات لا تبني طبقات أو فئات جديدة، بل تقنّن تحولات مجتمعية كانت تشق طريقها في ظل النظم السابقة، وتعيد صياغة العلاقات بين فئات كثيرة في المجتمع.