في مئوية المسرح الجزائري
قراءة في الأرشيف ومسارات الروّاد
- 141
آية توازي
شهدت قاعة "الطاهر وطار"، أوّل أمس، ندوة فكرية وفنية على هامش صالون الجزائر الدولي للكتاب، تمحورت حول مسار المسرح الجزائري وتطوّره إلى جانب الإشكاليات المرتبطة بتاريخه، ومئويته. وتميّزت الجلسة بمداخلات ثرية ومفصّلة لثلة من الأسماء البارزة في مجالي الفن والثقافة.
في هذا السياق، استهل الفنان عبد الحميد رابية، الجلسة بتسليط الضوء على قيم الوفاء والذاكرة الفنية، متوقفا عند السيرة الذاتية والفنية الحافلة لقامة المسرح والسينما سيد أحمد أقومي، الذي وصفه بذاكرة المسرح الجزائري، ومحفوظِه التاريخي. كما أشار إلى أن أقومي فنان أصيل، متفائل ومثالي، يتمتع بموهبة فريدة، ومسار فني غني ومتنوع، يجمع بين الإبداع المسرحي والسينمائي والتلفزيوني والإذاعي، مشيدا بمشواره الطويل في خدمة الفن، والإمتاع.
من جهته، تناول الأستاذ والناقد غوثي غزري إشكالية تاريخ المسرح الجزائري، معتبرا أن النقاش ينبغي أن ينصبّ على " تحديد تاريخ المسرح "، لا على حصره في " مئوية " معيّنة. وشدد على ضرورة عدم إغفال أن المجتمع الجزائري كان يمارس الفنون والرقصات وأشكال الفرجة الشعبية والتعبيرات الفنية، قبل الاستعمار الفرنسي بوقت طويل. وفي السياق نفسه، أكد عزري أنّ الاستعمار الفرنسي سعى، في المقابل، إلى طمس آثار وثقافة الشعب الجزائري المستعمَر؛ خدمةً لثقافته، داعيا إلى العودة إلى مرحلة ما قبل الاستعمار؛ لاستكشاف الجذور الحقيقية للمسرح الجزائري، بعيدا عن حصر بداياته في الحقبة الاستعمارية.
ومن جهتها، قدّمت الأستاذة الدكتورة جميلة مصطفى زقاي، قراءة نقدية وتاريخية معمقة لمسار المسرح الجزائري، معتبرة أن الاحتفال بمئوية المسرح لا ينبغي أن يكون مجرد احتفال عابر بمرور مائة عام، بل يتعين أن يشكل وقفة تأملية وإحصائية وفاحصة أمام مسار درامي حافل بالمخاضات، والمقاومات، والتحولات السياسية والفكرية. وأشارت إلى أن المسرح الجزائري نشأ وتطور باعتباره قوة ناعمة، وأداة استراتيجية وفكرية، قادرة على صياغة الوعي، وتشكيل الهوية، ومد جسور التواصل.
كما دعت جميلة إلى ضرورة الغوص في أعماق التاريخ، والبحث في جذور المسرح الجزائري قبل عام 1926، مستشهدة بدور شخصيات مثل علالو المدعو سلالي علي في مسرحية " جحا "، ومؤكدة أهمية العودة إلى أرشيف المَحاضر البوليسية الفرنسية؛ لدراسة الحقيقة التاريخية والفنية للمسرح بعيدا عن الاكتفاء بالقراءات السطحية.
كما قدّم الباحث والأستاذ الدكتور عزوز بن عمر، قراءة تحليلية معمقة لمسار المسرح الجزائري، مشيدا بدور الرواد الأوائل، وإسهاماتهم الكبيرة في ترقية الفن الرابع. وتطرق لأهمية الحفاظ على الذاكرة المسرحية وتوثيقها، منبها إلى أن غياب الوثائق والنصوص المسرحية الأصلية والاعتماد أحيانا على نصوص غير موثقة، يشكلان تحديا كبيرا أمام الباحثين. وأكد بن عمر ضرورة إعادة قراءة تاريخ المسرح الجزائري بعيون نقدية وإبستمولوجية جادة، مع الاستفادة من الوثائق، وأرشيف تقارير الشرطة الفرنسية، التي كانت ترصد النشاطات المسرحية والثقافية؛ من أجل بناء رؤية تاريخية علمية دقيقة ومتكاملة، تحفظ للمسرح الجزائري أصوله العميقة، وتضحيات روّاده.