جمال فوغالي ضيف "نادي الإبداع" بقسنطينة
قاص يفضل ضفاف الحلم على اتساع الرواية
- 192
ز. الزبير
نزل القاص جمال فوغالي، أول أمس، ضيفا على "نادي الإبداع" بدار الثقافة "مالك حداد" بقسنطينة، في عودة للمدينة التي احتضنته ذات يوم، وكان على رأس قطاع الثقافة بها، حيث امتزجت الأحاسيس والمشاعر بالذكريات الفياضة، تحت راية المحبة والصداقة، من أصدقاء، شعراء، روائيين وكُتاب، أبوا إلا أن يقاسموه هذه اللحظات الجميلة، ويخلدوها في الذاكرة الثقافية لهذه المدينة.
جمال فوغالي، الذي أثنى على دور وزارة الثقافة في دعم بداياته، من خلال نشر الأعمال وتقديم المقابل المادي، تحدث بعفويته وابتسامته التي لا تفارقه، تحدث بلغته الجميلة وبلسانه الذي تغلب عليه اللهجة العنابية، تحدث بصدق المحب، فخرجت الكلمات من الحنجرة، بتوقيع الفؤاد، وأحيانا كانت الدموع تنهمر من عينيه الزرقاوين وتسبق كلماته، لتضع الحضور في مشهد حائر بين الإعجاب والدهشة، لرجل طالما كانت ضحكاته، توابل أي جلسة.
تحدث القاص، الذي سماه جده بتليلي على اسم أحد أولياء الله الصالحين، وبات معروفا باسم جمال بين أصدقائه ومعارفه، عن رحلته مع الكتابة، وعن حاضره بعدما فضل التقاعد من وزارة الثقافة، وقال إنه وضع مشروعا لقراءة نفسه من جديد، بعد انسحابه مع سبق الإصرار من شقاء الوظيفة الرسمية، ونزع بدلة المسؤول ليعود إلى عالمه المفضل، ويعود إلى مدينته، وهو الذي يفتخر بأنه جاء من القرية البعيدة النائية، ويتذكر بحنين، ركوبه على ظهر عمته حبارة، ذهابا وإيابا في رحلة الكتاتيب، لتبدأ قصة عشق مع اللغة العربية التي يصفها بأنثاه الأبدية.
وعن قسنطينة، التي فتحت له ذراعيها لاحتضانه، قال جمال فوغالي، تدْعوني قسَنطينَة، يا فرحَ القلبِ إذْ يسبقُني الخفقُ إلى أعاليها عندَ عشِّ النَّسرِ طائرًا ومحلِّقًا، ويعرفُني إذْ يقرِّبُني زُلْفى منَ الغيمَةِ النَّاصعَة، ويعرفُ حبِّي لمندوفِ حريرِها، وتعرفني العينُ النَّضَّاحَة، وقدْ شربتُ منْ سلسبيلِها مثنى وتُساعَ ولمْ أرتوِ منْ عذبِ نميرِها، ويعرفُني الأحبَّةُ والأولياءُ والشُّعراءُ والباعَةُ المتجوِّلون، إذْ تحييهمْ جميعًا هذي الابتسامَة والجسورُ المعلَّقةُ دوحةُ التاريخِ والذَّاكرَة، وقدْ هامتْ جوارحي بحجارَتِها الرَّاسية، وبعضُ دمي جراحاتُها، وتتبعتُ واديها الذي يمتدُّ عميقًا، والمجْرى يتهادى منذُ الأحقابِ الخالية، ويعانقُهُ الاخضرارُ عنِ اليمينٍ وعنِ الشمال، والشلاَّلاتُ تندفعُ اندفاعًا، يا فيضَ بياضِها.
أكد القاص جمال فوغالي، عاشق الفراشات، أنه عاد إلى المدينة التي كان بها مسؤولا لفترة مرت، ومنصب جاء كما ينبغي له أن يجيء، لم يرفضه ولم يُجبر عليه، فكان اختيارا في الحياة وللحياة وبالحياة، وقال إن ما يبقى في هذه الحياة التي ترضي المشاعر والأحاسيس وخفق القلوب، هي اللحظة الحقيقية التي يعيشها الإنسان، ويمكن له أن يقيس فيها وجوده وكينونته، معتبرا أن دون ذلك هو قبضة ريح، كما تحدث عن تجربته بمديرية الثقافة في قسنطينة، وقدرة التميز بين الطيب والخبيث، تحدث عن مراحلا لمسؤولية لم يكن صاحبها إلا من أولي العزم، وقال إنه كان يعود كل مساء إلى منزله مثقلا منهكا، قبل أن تطهره الدموع الحارة على عتبة باب الدار، لكنه كان يخفيها بستار الابتسامة والضحك، ليخفي ما بداخله.
جمال فوغالي قال، إنه جرب اليتم القاهر، بسبب حساسيته المفرطة ووصف نفسه بالرجل الكاتب الحالم، الذي يرى أنه شفاف كالسديم، معتبرا أن ثمة فرقا كبيرا بين الحلم والوهم، وأوضح أن الحب يجعل من الإنسان شفافا، ويمكِّنه من الوصول إلى أي فضاء يريده، معتبرا أن محبة الناس زرق، كما هي الصحة والعافية، مؤكدا أن الكتابة لا تنشئ إلا داخل نفس مُحبة، وأن الكراهية هي لضعاف النفوس، حاثا الشباب على المثابرة والعمل بجد ومحاربة كل العوائق، على غرار المحسوبية والجهوية بكل ما يملكون من قوة وإرادة، حتى يصلوا إلى مبتغاهم.
أما بالنسبة للكتابة، فيرى فوغالي، أنها نوع من الدوران، تتلألأ فيه الصور والمخيلة ويندمج مع التخييل، ليخلق حالة وجدانية رفيعة وبهية، كي تجعل من الإنسان إنسانا سويا، مشبها الكتابة التي كان يريد من خلالها قول الحقيقة بعيدا عن التناص، بعمل النحلة التي تنتج عسلا مصفى يُشفي الناس، وقال إنه كتب الهنات والسقطات، كما كتاب الفرح والحزن، الكآبة والجراحات التي لا تندمل وتترك ندوبها، وقال إنه لم يكتب من أجل الشهرة، لكنه كتب محبة وعشقا، عندما بدأ في الظهور على صفحات جريدة النصر.
وحسب المحتفى به، فهو لا يستدرج الكتابة حتى تأتي، وقال إن النصوص التي يكتبها تتشكل من يوم إلى آخر في معاركه لاستدراج الذاكرة، الأحاسيس، وخاصة الصدق، مضيفا أنه منذ الصغر، كان مولعاً بشكل الكلمات والحروف، معتبرا أن ذلك كان في العمق يدل على إرادة لإرسال صوت ندي، يحمل رؤياه لنفسه، رؤياه لغيره، موضحا أنه عندما كان يكتب، كان يريد أن يذهب وهو لم يغادر الإنسان، بتوازن نفسي، مؤكدا أن الحلم كان في كتاباته مسموحا دون أن يكون وهما، وأن الكاتب مطالب بأن يخلق لنفسه الفيض والتكامل فيها بين الناس.
وعن اختياره لكتابة القصة دون الألوان الأدبية الأخرى، أجاب فوغالي بأنه يجيد كتابة القصة والنصوص المفتوحة على منطقها الشعري، مستفيدا من كثير القراءات المتعددة في الشعر والرواية وغيرها، مضيفا أن الفكرة يجب أن تتخمر وتتعمق القراءة من الشرق إلى الغرب، مؤكدا أهمية القراءة في صقل موهبة الكاتب، وقال إنه سعيد بما يملك ويرفض الذهاب إلى الرواية التي لها أسماؤها، والتي كرست وجودها، رغم استسهال بعض الناس لها، مضيفا أن كتابة الرواية يحتاج إلى متابعة، دراسة، استقصاء، تركيب والقدرة على إنشاء الرواية إنشاءً.
الجلسة الأدبية مع الكاتب القاص جمال فوغالي، عرفت تدخل العديد من الحضور، على غرار الأستاذ عبد السلام يخلف، الذي عاد إلى الأرشيف مستعرضا عددا من الصور القديمة، صور أصلية بنفس الألوان ونفس التفاصيل، تعود لأكثر من 25 سنة، وكانت صورا من الأيام الأدبية لعدد من المدن في تسعينيات القرن الماضي، من العلمة، إلى قسنطينة، عنابة والعاصمة، كما تدخل الدكتور محمد زتيلي وكذا الإعلامي والكاتب مراد بوكرزراة، من أجل إثراء النقاش.