خليل حكـّار يعرض بالمركز الثقافي الجامعي

عودة قوية الى الحياة والرسم معا

عودة قوية الى الحياة والرسم معا
الفنان التشكيلي خليل حكّار
  • 231
لطيفة داريب لطيفة داريب

لم يفوّت الفنان التشكيلي خليل حكّار فرصة النجاة من وضعية صحيّة معقّدة للارتماء في أحضان الرسم مرة أخرى بعد أن كاد أن يفقد عالمه الفني الخاص وحتى حياته، وها هو اليوم ينظم أوّل معرض فردي له بالمركز الثقافي الجامعي إلى غاية الرابع من نوفمبر المقبل.

رسم الفنان الشاب خليل حكّار بدون توقّف حتى وصل إلى حصيلة 200 لوحة أو أكثر بقليل، وهذا بعد أن أجريت عليه عملية جراحية حسّاسة، عاد على إثرها إلى الرسم بعد أن كاد يفقد الأمل في الحياة وفي مزاولة هوايته التي تحوّلت إلى غاية لا يمكن أن يحيد على مسار تحقيقها وتجسيدها على أرض الواقع.

رجع خليل إلى الرسم بعد أن كاد يتخلى عن غايته في الحياة إثر تعرّضه لمشاكل صحية، وفي هذا قال لـ«المساء": "شعرت بندم شديد لأنّني كدت أن أرحل عن الدنيا بدون ترك أثر فيها. لم أخف من الموت لأنّني كنت أخمّن في أسوأ الاحتمالات، لكنّني خشيت الرحيل بدون تقديمي للفن بالشكل الذي كنت أبتغيه، صحيح أنّني أنجزت بعض اللوحات وشاركت في معارض جماعية، لكن لم يكن ذلك كافيا بالنسبة لشاب قرّر تكريس حياته للفن". وهكذا بعد أن شفى الله، خليل، استغل الفرصة الثانية التي مُنحت له وانهمك في الرسم كلّ ليلة بعد استلهامه من أحداث يومياته، فرسم أكثر من 200 لوحة، أظهرت الأولى منها تأثّره بأعمال الفنانين الكبار مثل اسياخم وخدّة وبالأخصّ جدّه الفنان الراحل لزهر حكّار.

وعن تأثير الفنان المرموق لزهر حكّار على المسار الفني للحفيد خليل، قال الفنان "تأثّرت كثيرا بالأسلوب الفني لجدي لزهر، كنت أشاهد لوحاته المعلّقة على جدران البيت، التي تحرّكها الأطياف وتغمرها الرموز وتسبح في عالم غامض استطعت بفضولي أن أقتحم بعضها، وأرسم تأثّرا بها، وفي نفس الوقت، أحوّل هذه التأثيرات إلى عالمي ببصمتي الخاصة، ومع ذلك هناك لوحات لا تمتّ بصلة إلى أعمال جدي".

انطلاقة، توقّف فعودة قوية

انطلق خليل في عالم الرسم الأكاديمي في 24 نوفمبر 2014، أبعد من ذلك فقد التحق بالمدرسة العليا للفنون الجميلة، تخصّص نحت، رغم أنّه لم يكن يحسن مسك ريشة بعد، إلاّ أنّه أدرك بفطرته، أن حياته لا يمكن أن تستمر بدون التخصّص في الرسم الأكاديمي، فالتحق بالمدرسة وبدأ بتعلّم الرسم ثم انتقل الى عالم مجهول بالنسبة له يتمثّل في النحت والسيراميك، وقد ينتقل بعدها إلى عوالم أخرى لكشف أسرارها.   

كما لم يكتف خليل بسرد حكايته في لوحة واحدة بل اختار واحتاج أن يقصَّها في لوحات عديدة شكلّت سلسلة يعرض بعض عناصرها بالمركز الثقافي الجامعي إلى غاية الرابع نوفمبر المقبل. وفي هذا قال خليل لـ«المساء": "كلّ لوحة معروضة هنا مرتبطة بإحساس شعرت به وقصة ترجمتها في هذا العمل، مثل هذه اللوحة التي رسمتها هنا بعنوان "وأخيرا" أقصد بها نهاية السلسلة التي أنجزتها مباشرة بعد شفائي، أي أنّني أنهيت قصتي هذه وسأمرّ إلى موضوع آخر". أما لوحة "بين الحقد والحب" فقد رسمها الفنان عن الأزمة التي تصيب الإنسان والتي يرى فيها شرا كبيرا إلاّ أنّها في نفس الوقت تحمل في طياتها خيرا أكبر، وخير دليل على ذلك، مرضه الذي دفع به إلى ممارسة أفضل وأعمق للرسم.

وواصل خليل الحديث عن رسوماته التي أنجزها بتقنية الأكريليك والباستال على الورق، فذكر أنه يشتغل على طبقة بالأكريليك، ثم يستعمل شوكة لصنع ملمس لموضوع اللوحة، ويدعمها برموز وخطوط كثيفة، بعدها ينتقل إلى خانة الألوان التي يختار  الغامقة منها في أغلب الأحيان نسبة إلى موضوع السلسلة. لوحة "أغنية بوب" قال عنها خليل إنّها تعني حبه للموسيقى التي تصاحبه دوما في انجاز أعماله. أما لوحة "الضوء الليلي" فرسم فيها طيفين يقصد بهما نفسه وأفكاره، بينما رسم طيفا يتوسّط لوحة "لأجل الثانية"، لم يقدّم فيها كعادته تفاصيل لملامح الطيف حتى يجد الزائر فيه، نفسه من خلال تفسير وقراءة خاصة به.

يعرض الفنان أيضا لوحات أخرى مثل اللوحة التي أغرقها باللون الأحمر، رمزا للغضب، غضب لأنّه كاد أن يفقد حلمه حينما مرض، ولأنّه لم يستثمر في هذا الحلم حينما كانت له إمكانية فعل ذلك، أيّ قبل مرضه، في حين استلهم في لوحة "العودة تمحي غيابي" من أغنية للفنان هواري بن شنات، يقصد بها عودته إلى الحياة وقدرته على تحقيق حلمه والرسم بشكل احترافي واستخراج مكنوناته بشكل فني.  

في لوحة" نافذة" رسم الفنان عن حيرته وتساؤلاته عن إمكانية عيشه وتحقيق حلمه. كما رسم في العديد من اللوحات مجموعة من الأطياف كانت تأتيه في المنام فأسقطها في لوحاته وأخفى تفاصيل ملامحها عن المتلقي. لوحات أخرى لخليل معروضة بفضاء المركز الثقافي الجامعي مثل لوحة رسم فيها امرأة برمز يعود إلى جدّه لزهر، يتمثّل في دائرة ومثلثين وفي هذا قال "طلبت والدة جدي لزهر من ابنها رسم امرأة بهذا الشكل، فكان ذلك، لهذا رسمت المرأة في لوحة (هي) مثله تماما، تكريما للرجل ابن فرنقل بخنشلة، وتثمينا لتراثنا". 

يعرض خليل أيضا لوحة تجريدية محضة، أشار إلى أنّها عبارة عن نسخة غير مكتملة للوحة معروضة فوقها بعنوان "يا لي غارق"، قال إنّها غارقة في الغموض وهو ما أراده فعلا حتى يترك مساحة التخيّل للملتقي. بينما عبرّت لوحة "الشاهد" عن عنوانها، حيث رسم فيها الفنان طيفا في لوحة كبيرة الحجم عكس اللوحات المتبقية، وكانت بالفعل شاهدة على ممارسة خليل لفنه، فكان بين الحين والآخر يعود إلى رسمها ثم يتركها ويكمل سلسلته. أما  لوحة "طريق انتحاري" فتعبرّ عن اعتقاد الفنان بضرورة العودة إلى ممارسة الرسم مباشرة بعد خروجه من دارة الخطر، واستغلال فرصة النجاة هذه لتحقيق مبتغاه، حتى أنّه هدّد نفسه بالتوقّف نهائيا عن ممارسة الرسم إذا لم يرسم مباشرة بعد نجاح العملية الجراحية التي أجريت عليه.

 بالمقابل، جاءت لوحة "مشعل الحرائق" مختلفة عن اللوحات الأخرى حيث تظهر بعض ملامح الشخصية التي رسمها خليل وهذا رغبة منه في تغيير أسلوبه الفني، ونفس الشيء بالنسبة للوحة أخرى رسم فيها الفنان رجلا بعين واحدة وكأنّه رغب في الكشف عن شخصياته بشكل متدرّج. نجد أيضا لوحة "الانحدار نحو الهاوية" التي رسم فيها الفنان هيئتين تتعانقان وسط قلوب حمراء وصفراء، تظهر لنا أنّها لوحة مفعمة بالحب والأمل لكنّها في الحقيقة تعبر عن الصحة التي تمثّل بالفعل تاج رأس كلّ كائن حيّ وأن فقدانها يؤدي إلى الهاوية فعلا