“الوردي يملأ الأجواء” لكهينة بوزيد برواق “عمر راسم”

عندما نتجاوز حدود الأنوثة إلى فلسفة حياة

عندما نتجاوز حدود الأنوثة إلى فلسفة حياة
  • 119
مريم. ن مريم. ن

تُطلّ الفنّانة كهينة بوزيد بالثوب الوردي البهيّ، لتعكس به أجواء الفرح والمسرّة، وترسّخ من خلاله الأمل، وحبّ الحياة بلمسة إبداع متمكّنة، تُطلق العنان للخيال، وللإيجابية، مع وقفات عند التراث الجزائري المرتبط بكلّ ما هو جميل، وفاخر.

أقامت الفنّانة كهينة بوزيد معرضها “الوردي يملأ الأجواء” برواق “عمر راسم”، إلى 26 سبتمبر الجاري، ليستمتع الجمهور بتلك الأعمال التي تعجّ بالأنوار، وبألوان “الزهو”، وعلى رأسها الوردي؛ عنوان كلّ أنثى تعشق الحياة، والأمل، ترتديه لتستقبل أفراحها ومناسباتها السعيدة، التي تعكس حالها المطرَّزة بالبهجة، والملوَّنة بالطعم الحلو.

.. دليل تجربة فنية

عن السرّ الكامن وراء الوردي عنوان هذا المعرض ودليله، قالت الفنّانة الحسناء إنّه أصبح مع مرور الوقت، لغة خاصّة في تجربتها الفنية، مضيفة: “فهو بالنسبة لي، لا يرمز فقط إلى الأنوثة، بل أيضًا إلى النعومة، والقوّة، والحرية والفرح، فلم أعد أتعامل معه كلون جمالي فحسب، بل أصبح خيطًا يربط مختلف أعمالي” . كما قالت: “في عالم مليء أحيانًا بالثقل والضغوط، أريد من خلال أعمالي أن أخلق مساحة من الضوء، والهدوء والفرح؛ فاللون الوردي يسمح لي بنقل هذه الطاقة، وهذه الرغبة في منح المتلقّي إحساسًا بالدفء، والإيجابية. كما أحبّ الجانب الأنثوي وحتى النسوي الذي يحمله اللون الوردي. لكنّني لا أريد أن أفرض عليه معنى واحدًا؛ فكلّ شخص يمكن أن يرى فيه شيئًا مختلفًا. وبالنسبة لي، الوردي هو قبل كلّ شيء، وسيلة للتعبير عن مشاعر لا تحتاج دائمًا إلى كثير من الكلمات” .

ليس لونًا أنثويًّا.. بالضرورة

سألت “المساء” الفنّانة عن حضور اللون الوردي حتى في الأعمال ذات المضمون الذكوري، فهل كان ذلك مقصودًا أو يحمل رسالة ما؟ فردّت: “نعم، هناك قصد وراء ذلك حتى وإن لم يكن الأمر دائمًا نتيجة قرار فكري مسبق أثناء الرسم. فعندما أرسم الخيول مثلاً، لا أبحث عن إعادة إنتاج الحيوان كما هو في الواقع، وإنّما أحاول أن أمنحه حضورًا، وطاقة، وشخصية. واستخدام اللون الوردي والأشكال الأكثر نعومة يساهم في ذلك. كما أحبّ أن ألعب على فكرة تجاوز الصور النمطية المرتبطة بالذكورة والأنوثة، فالوردي والنعومة والرقّة لا يجب أن تكون حكرًا على المرأة، تمامًا كما القوّة والطاقة ليستا حكرًا على الرجل “ ، لتضيف: “الحصان بالنسبة لي يرمز إلى الحركة، والانطلاق والحرية، وأحيانًا إلى الشجاعة؛ لذلك فإنّ إضفاء لمسة أنثوية عليه هو أيضًا، طريقة للتعبير عن فكرة أنّ القوّة يمكن أن تكون ناعمة، وأنّ الرقّة يمكن أن تكون قوية في الوقت نفسه “.

من جهة أخرى، تحدّثت الفنّانة كهينة عن مسارها الفني، مشيرة إلى أنّه متميّز بعض الشيء؛ فقد كان الرسم والألوان جزءًا من حياتها منذ الطفولة. وكانت تمارس الرسم بالألوان المائية قبل أن تأخذها الحياة المهنية والعائلية بعيدًا عن الفنّ لسنوات؛ تقول: “عدت إلى الرسم بشكل جدّي منذ بضع سنوات، خاصّة من خلال لحظات الرسم التي كنت أعيشها مع أطفالي. وما بدأ كهواية وشغف شخصي، تطوّر تدريجيًا ليصبح مشروعًا فنيًا حقيقيّا، أتعامل معه اليوم، بكلّ جدّية” .

لا أحبّ اختزال تجربتي في كلمة “عصامية”

توضّح بوزيد قائلة: “لم أتّبع مسارًا أكاديميا تقليديا في مدارس الفنون الجميلة؛ ولذلك يمكن القول إنّني بنيت تجربتي بشكل مستقلّ، من خلال الممارسة المستمرّة، والملاحظة، والتجريب، والبحث، والتعلّم من التجارب واللقاءات. لكنّني أفضّل أن أقول إنّني فنّانة بنَت مسارها بشكل مستقلّ بدلاً من اختزال تجربتي في كلمة “عصامية” ؛ فأنا أتعلّم باستمرار. وأعتقد أنّ الفنّان الحقيقي يبقى دائمًا في حالة بحث، وتطوّر”. وأشارت إلى أنّ معرضها هذا ليس الأوّل، بل سبق لها أن شاركت في العديد من المعارض والتظاهرات الفنية، سواء في الجزائر أو خارجها. وهذه التجربة تمثّل بالنسبة لها، محطّة مهمّة جديدة في مسارها الفني.

وبالنسبة لمعرضها “الوردي يملأ الأجواء”، فإنّه يضمّ 57 عملاً فنيًا. وقد حرصت على أن تكون الأعمال مترابطة فيما بينها، من خلال اللون، والحركة، والأنوثة، والضوء والمشاعر. وتضيف: “هناك أعمال تجريدية جدًا، وأخرى أقرب إلى التعبيرية أو التجريدية الجزئية والتمثيلية. لا أحبّ أن أحصر تجربتي في تصنيف واحد؛ لأنّني أؤمن بأنّ التجريد بالنسبة لي، هو دعوة إلى الإحساس قبل محاولة الفهم”.

وعن التقنيات والمواد والألوان التي اعتمدتها وكذا المواضيع التي اختارتها، ردّت قائلة: “أعتمد بشكل أساسي على الأكريليك. كما أحبّ إدخال المادّة والملمس في بعض أعمالي، خصوصًا من خلال استخدام معجون التشكيل. وأحبّ أن يكون للوحة حضور ماديّ، وأن يساهم ملمسها وطبقاتها أيضًا، في نقل الإحساس” .

وبالنسبة للّون، أوضحت قائلة: “هو نقطة الانطلاق الأساسية في عملي. وفي كثير من الأحيان أبدأ من اللون قبل أن أحدّد الموضوع. ويحتلّ الفوشيا والوردي بمختلف درجاتهما مكانة أساسية في أعمالي، إلى جانب الأصفر، والبرتقالي، والأوكر، والبنفسجي، والفيروزي، والأخضر، والأزرق الداكن. أمّا المواضيع فهي متنوّعة، النساء، والظلال البشرية، والخيول، والراقصات، والموسيقيّون، والقصبة، والطبيعة، والزهور، وغيرها، لكنّ الأهمّ بالنسبة لي ليس الموضوع في حدّ ذاته، وإنّما الإحساس الذي يمكن أن ينقله؛ فأنا لا أبحث دائمًا عن تمثيل الأشياء كما هي، بل عن الإحساس الذي تتركه في داخلي، وفي المتلقّي، ولهذا السبب أيضًا لا أرسم ملامح الوجه بشكل واضح، وغالبًا لا نجد العينين أو الأنف أو الفم؛ حتى تبقى الشخصية مفتوحة أمام خيال المتلقّي. ويستطيع كلّ شخص أن يجد نفسه فيها، أو يُسقط عليها إحساسه الخاصّ “.

«المساء” سألتها: “لاحظنا أنّك منحت كلّ لوحة عنوانًا، كما أعددتِ كتالوجاً خاصًّا بالمعرض؛ لماذا الاهتمام بهذه التفاصيل؟” ، فأجابت: “بالنسبة لي، اللوحة لا تتوقّف عند ما نراه، كلّ عمل يرتبط بلحظة أو إحساس أو فكرة أو قصّة معيّنة، لذلك فإنّ عنوان اللوحة يمثّل بالنسبة لي، مدخلاً إضافيًا إلى عالمها، لكنّني لا أريد أن أفرض على المتلقّي طريقة واحدة لفهم العمل. العنوان يمكن أن يعطي اتّجاهًا أو يفتح بابًا، لكن يبقى لكلّ شخص الحقّ في أن يشعر باللوحة، ويفسّرها بطريقته الخاصّة”. وتواصل: “أمّا الكتالوج فجاء من الرغبة في توثيق هذه التجربة، وترك أثر لها، وكذلك تقديم الأعمال ضمن رؤية متكاملة، تسمح للمتلقّي باكتشاف العلاقة بينها، وفهم عالمها الفني بشكل أفضل” .

وأكّدت الفنّانة كهينة بوزيد أنّ هدفها الأوّل من هذا المعرض هو أن تنقل إحساسًا؛ فإذا دخل شخص إلى المعرض وخرج منه بابتسامة أو بشعور من الخفّة أو الفرح أو حتى بإحساس لا يستطيع أن يفسّره بالكلمات، فإنّها تعتقد حينها أنّها حقّقت شيئًا مهمًّا؛ تقول: “أريد أيضًا أن أعرّف الجمهور أكثر على عالمي الفني، وأن أُظهر أنّ اللوحة يمكن أن تكون مشرقة، وملوَّنة، ومليئة بالفرح، وفي الوقت نفسه تحمل أفكارًا ومشاعر. وبالطبع، يمثّل هذا المعرض أيضًا، مرحلة جديدة في مساري المهني. أتمنّى أن يُفتح لي المجال أمام لقاءات جديدة مع الجمهور والمهتمّين بالفنّ والجامعيين والمهنيّين، وأن يساهم في خلق فرص جديدة للعرض داخل الجزائر وخارجها”. وبالنسبة لمشاركتها في معارض خارج الجزائر، أكّدت أنّه سبق لها أن شاركت في تجارب ومعارض فنية دولية، خاصّة في الأردن، ومصر، وتركيا. وهذه التجارب - حسبها - مهمّة جدًّا بالنسبة لها؛ لأنّها تسمح بتقديم عالمها الفني أمام جمهور مختلف، والتعرّف على ثقافات وتجارب فنية متنوّعة. وبالمقابل قالت: “أنا مرتبطة جدًّا بجذوري الجزائرية. وهي حاضرة بشكل طبيعي في أعمالي؛ من خلال بعض الإشارات إلى القصبة، والمرأة، والتراث، والطبيعة، والبيئة التي أنتمي إليها، لكنّني في الوقت نفسه، لا أريد أن تكون هويّتي الفنية محصورة في حدود جغرافية معيّنة. أحبّ فكرة أن أكون فنّانة جزائرية تحمل لغة فنية قادرة على السفر والوصول إلى أشخاص من ثقافات مختلفة. وأعتقد أنّ هذا يلخّص جزءًا مهمًّا من رؤيتي: أنا جزائرية، لكنّني عالمية”.