بومرداس تقرأ هويتها

عندما تتحول أسماء الأماكن إلى شهادات ميلاد

عندما تتحول أسماء الأماكن إلى شهادات ميلاد
  • 171
حنان. س حنان. س

تُوج اليوم الدراسي "ذاكرة المكان، بومرداس تقرأ تاريخها من خلال أسمائها"، المنتظم مؤخرا، بجملة من التوصيات الهامة، التي تهدف إلى نقل النقاش الأكاديمي إلى حيز التنفيذ الميداني، لعل أبرزها، تصحيح المسار التاريخي، من خلال المراجعة الدقيقة للتسميات الجغرافية وتنقيتها من التشويهات التي طرأت عليها عبر الحقبة الاستعمارية، مع إعادة الاعتبار للمسميات الأصلية النابعة من عمق التراث.

جاء تنظيم اليوم الدراسي، في إطار استراتيجية وطنية ومحلية، تهدف إلى حماية التراث الثقافي غير المادي وإعادة الاعتبار للهوية المكانية، كجزء لا يتجزأ من الذاكرة الوطنية، وحسبما جاء على الصفحة الرسمية لمديرية الثقافة والفنون لولاية بومرداس، على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، فإن هذا اليوم نُظم بالتنسيق مع مخبر التحاليل التاريخية والذاكرة الجماعية والمقاربات الجديدة بجامعة البويرة، بهدف ربط الإدارة بالبحث الأكاديمي، من خلال معالجة إشكالية اندثار أو تحريف المسميات الجغرافية الأصلية، والسعي نحو تصحيحها، لحماية الذاكرة الجماعية من الطمس.

ومن جملة التوصيات التي خلص إليها اللقاء، العمل على التحضير لورشات تطبيقية، تخرج من القاعات المغلقة إلى القرى والمداشر، لتدوين الرواية الشفوية وربط الأجيال الجديدة بجذور أحيائهم، ناهيك عن تفعيل دور التسميات كبيانات دالة في الإجراءات الإدارية، القانونية، والجمركية، لضمان ضبط إداري دقيق يرتكز على مرجعية تاريخية صحيحة، بالإضافة إلى الأرشفة الرقمية، من خلال مواصلة توثيق المداخلات "بالصوت والصورة"، وجعلها مرجعا مفتوحا للباحثين عبر المنصات الرسمية، لتعميم الفائدة ونشر الوعي التاريخي.

وفي بيان ختامي، ذكرت مديرية الثقافة، أن هذه الخطوة تعتبر ريادية لرد الاعتبار للتراث الثقافي غير المادي، حيث تم خلال اليوم الدراسي، الذي اتخذ شكل موائد مستديرة متخصصة، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين، مناقشة عدة محاور، ضمن ورشات درست الأولى موضوع البعد اللساني.. تفكيك رموز المكان، وغاصت في البنية اللغوية لأسماء أحياء ومدن بومرداس. وقدمت فيها مداخلة محورية حول "أصل التسمية الاصطلاحية"، حيث فككت الرموز اللسانية التي تكسب المكان دلالته وهويته الضاربة في القدم. 

وعنيت الورشة الثانية بالأنثروبولوجيا وسيكولوجية التسمية، ركز النقاش على العلاقة الوجدانية بين الإنسان ومحيطه، وسعت إلى فهم "سيكولوجية التسمية" وأثرها في تشكيل الذاكرة الجماعية، مع التأكيد على أن حماية الاسم، هو حماية للإنسان المنتمي لهذا الفضاء من الاندثار الثقافي.

وعولج ضمن الورشة الثالثة، موضوع الطوبونوميا في خدمة القانون والإدارة، مع تناول الأبعاد القانونية والجمركية، حيث اعتبر المشاركون فيها أن تسمية المكان ليست ترفا، بل هي عبارة عن بيانات حيوية، تساهم في ترسيخ سيادة القانون وضبط المعاملات الإدارية والإجرائية بدقة. فيما عالجت آخر ورشة التاريخ والتوثيق كذاكرة للأجيال، حيث استعرض فيها تطور التسميات عبر العصور بأسلوب موضوعي، يهدف إلى نشر الوعي.

وأكد بيان مديرية الثقافة، أن هذا الرصيد المعرفي لن يبقى حبيس الجدران، حيث تم توثيق كافة المداخلات لبثها تباعا عبر صفحتها الرسمية على "فيسبوك"، لتكون مرجعا للباحثين وعامة المواطنين، موضحة أن تسمية المكان في بومرداس ليس مجرد وصف جغرافي، بل هي بمثابة شهادة ميلاد متجددة لهويتنا الوطنية.