تأبينية الراحل محمود عروة بالمكتبة العمومية لولاية الجزائر

طبيب جسّد الخيال في العلم ونسج الحاضر بالماضي

طبيب جسّد الخيال في العلم ونسج الحاضر بالماضي
  • 176
مريم. ن مريم. ن

شهدت المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية لولاية الجزائر بالتنسيق مع منشورات "فيروز" للإنتاج الثقافي، أوّل أمس، تنظيم وقفة تأبينية؛ تكريما لروح الأديب الطبيب الراحل محمود عروة، الذي ترك أثرا طيبا في الأوساط الثقافية والطبية، وزرع بحضوره الدائم قيم الوفاء، والتواضع، وخدمة التراث الثقافي الجزائري في الداخل والخارج. حضرت التأبينية عائلة الفقيد، وأصدقاءه، ورفقاءه في السلك الطبي، وكذا أصدقاء والده الراحل أحمد عروة، إضافة إلى مجموعة من الكتّاب والشعراء، قدّم فيها الجميع شهاداتهم، وذكرياتهم مع الراحل الدكتور محمود عروة. 

ونشطت اللقاء فوزية لارادي، التي عرفت الراحل عن قرب من خلال فضاء “منتوري الثقافي” . وقالت في تأثّر إنّ مشروعا ثقافيا كان يجمعها بالراحل، خاصا بترجمة أعماله إلى اللغة العربية التي كان يعشقها، وكان من المقرّر عرضها في سيلا 2026. وقصد إتمام الإجراءات اتّصل بها الراحل أياما قبل وفاته، لكنّها طلبت منه تأجيل اللقاء لأسبوع قادم، لكن القدر كان أسرع. وأشارت إلى أنّ الراحل كان قيمة أدبية وطبية راقية. وكان يهتمّ بتاريخ الطب الإسلامي، وبالتاريخ عموما؛ ما جعله حاضرا في نصوصه الأدبية كالرواية والشعر، فكان ينسج الحاضر بالماضي، وغالبا ما كان البطل في أعماله يخرج من فضاءات تاريخية. 

كما واصل الراحل محمود مشوار والده الطبيب والفيلسوف والكاتب أحمد عروة دون أن يكون نسخة منه، لذلك حرص، مثلا، على أن لا تقفل عيادة والده بالحي الشعبي بلوزداد. وبدوره، أشار الفنان جودت قسومة صديق الراحل، إلى أنّ الشاعر لا يموت، مقدّما نبذة عن حياته؛ فهو من مواليد العاصمة سنة 1956، وهو طبيب تخدير وإنعاش مولَع بالأدب، والشعر، وتاريخ الطب. وهو ابن الراحل أحمد عروة (1926 - 1992) الطبيب المناضل، والشاعر الباحث. وأضاف أن الراحل كان قيد حياته، رئيس الجمعية الجزائرية لتاريخ الطب.

له العديد من المقالات والأبحاث والكتب، منها في الطب، وهي "التخدير والإنعاش في تاريخ الطب الإسلامي" (دراسة)، و"علاج الألم – من الطب العربي إلى الطب الحديث”، و«القلب في الطب العربي"، و"ابن رشد – الطبيب"، حصل بها على جائزة شارل بورتولي 2015 من أكاديمية العلوم والآداب والفنون في مرسيليا. ونشر أيضا “تعليق ابن رشد على قصيدة الطب لابن سينا – ترجمة وتقديم وملاحظات محمود عروة" (دراسة).

وله قصيدته المعروفة بعنوان “أورينغامي” (من ديوان يحمل نفس العنوان)، التي فازت بجائزة مسابقة الشعر باللغة الفرنسية لعام 2019، التي نظمتها مؤسّسة “فنون وثقافة”. ومن كتبه المنشورة أيضا قصائد منها "أورينغامي"، و"نافذة على الأحلام" (ديوان شعر)، و"مثل البوميرانغ"، و"كيلومترات" (قصص قصيرة)، و"الطفل الذي لا يبكي أبدا” (قصص)، وكذا روايات “ملاك في ماكدونالدز”، و«مشاعر تحت التخدير”، و«ستانتيلاند” (رواية).

وتدخّلت بعدها نجاة عروة أخت الراحل، التي قالت إنّ وفاته في 8 فيفري الماضي، كانت صدمة لعائلته، مذكّرة بعشقه للأدب، والشعر، والتاريخ في سياقه الجزائري، وأنّه مضى على خطى والده الطبيب والفيلسوف المناضل، معلنة أنّ العائلة تسعى لنشر أعماله التي لم تُنشر بعد، منها قصائد، ودراسات وروايات، علما أنّه كان دوما يسعى ليصل بالقارئ إلى عمق الحقيقة في سياق مشوّق. كما كان دوما في منأى عن الصراعات. وكان مرنا في أدائه، وحديثه، مسترسلة في عرض علاقة الراحل بعائلته منذ صغره، علما أنه هو الطفل البكر.

وأكّدت أنّه كان دوما سعيدا بالمطلق، ومتفائلا، ومتواضعا وبسيطا. تأثّر بوالده وبجده الإمام محمد الصديق. ومن أعمامه محمد وسيد علي، وتعاطى القيم والجمال وحسن الأخلاق، وبالتالي فإنّ فلسفة حياته استمدّها من عائلته التي كوّنته، فطبّقها في سلوكه، ولم تبق مجرّد تنظير. كما توقّفت المتحدّثة عند تأثّر الراحل بأصدقاء الوالد، الذين ترددوا على بيت العائلة. ومن أبرزهم الدكتور الراحل السعيد شيبان.

وقالت السيدة نجاة إنّ الجميع في العائلة يحترمون الراحل محمود. وكانت علاقته حميمية معهم خاصة الأخوات، زيادة على ظلّه الخفيف. واستحضرت أيضا علاقة الراحل بالسينما التي اكتشفها منذ صغره حينما كان عمه سيد علي، يرافقه للقاعات؛ لذلك انعكس ذلك في كتاباته التي بها ما يشبه السيناريوهات. وتذكرت أيضا وفاة والدها، الذي كان يستعد لإلقاء محاضرة بغرناطة، لكنّه توفي، فناب عنه محمود. وتناولت في حديثها أيضا، مجلته الخاصة بالتراث الطبي.