ندوة "دولة الأمير عبد القادر: المؤسسات والقيادات".. مؤرخون:

شخصية الأمير تتجاوز التصنيف

شخصية الأمير تتجاوز التصنيف
  • 300
❊ مريم. ن ❊ مريم. ن

تناول المشاركون في ندوة "دولة الأمير عبد القادر: المؤسسات والقيادات"، جوانب مهمة في حياة مؤسّس الدولة الجزائرية الحديثة، وكذا انتشار اسمه وبطولاته وتراثه في الشرق والغرب إلى درجة الانبهار بشخصيته التي قيل عنها لا تشبه أحدًا، ولا يمكن تصنيفها، أو تعريفها.

أشار ضيف " سيلا" البروفيسور بنجامين براور من جامعة تكساس (المتخصّص في العنف الاستعماري وأنثروبولوجيا الاستعمار وآليات الهيمنة الإمبريالية)، إلى أنّ الأمير كان معروفًا عالميًّا في زمانه. وكان الأمريكيون حينها يتابعون أخباره، وانتصاراته في معاركه ضدّ الغزاة الفرنسيين؛ لذلك بنوا له صورة بطولية في مخيلتهم؛ ما زاد في انتشار أخباره في الصحافة الأمريكية، ومنها "نيويورك تايمز".

وذكر أيضًا أنّ الأمير كان يُشبَّه بنابليون لكن في صورته الإنسانية، خاصة من حيث تواضعه. واشتهر بموقفه من الأسرى، وبحادثة إنقاذه المسيحيين بدمشق. وهي حادثة فنّدت كلّ الاتّهامات التي حاول المستعمر أن يوجّهها إليه، ليجعل منه مجرم حرب، لتترسّخ فيه صورة المقاوم، وتُنسَب الجرائم إلى المحتل الفرنسي. من جانبه، تناول البروفيسور أحمد بويردن الجانب الغرائبي والعجائبي الذي رسّخته بعض الشعوب والثقافات في شخصية الأمير نتيجة انتشار سمعته وأخباره. كما ركّز على البعد الروحي والعرفاني (التصوّف) في حياة الأمير دون أن يكون ذلك عائقًا أمام تعاطيه مع الحداثة الأوروبية.

وقال المحاضر إنّه بدأ البحث في تاريخ الأمير وتراثه منذ سنة 2003، خاصة في جانب انتشاره العالمي، وخصوصيته الروحية، علمًا أنّ الأمير لا يمكن حصره في بُعد واحد. وقد كان يُشبَّه بنابليون في الجانب الاستراتيجي، ليبقى هو مؤسّس الدولة الجزائرية الحديثة. وأضاف: “ لمعرفة الأمير لا بدّ من معرفة السيرة النبوية، التي كانت منهاجه، ومنهله الأوّل. وهو ما ظهر في حياته، ومواقفه. وكان يقول: "عملتُ بالشريعة المحمدية؛ وكأنه يتهم المسلمين بالحياد عنها. وكان يقول أيضًا بحقوق الإنسان، ليتهم الغرب بعدوله عن قيم ومبادئ الحرية والمساواة “.

وأكّد المتحدّث أنّ الأمير كان ابن بادية بضواحي معسكر، لكنّه استطاع أن يصبح شخصية عالمية تملأ الدنيا. وحين وفاته كتبت عنه الصحف العالمية، منها صحيفة "شيكاغو". ورغم مساعي فرنسته وتمسيحه ومحاولة نسبه إلى الحضارة الغربية المسيحية وسلخه من الهوية الإسلامية الصوفية، إلا أنّه ظلّ يؤكّد أنّه مسلم محمدي.

وأشار المتدخّل القادم من باريس أيضًا، إلى أنّ الأمير موجود في كلّ مكان؛ فمدينة أمريكية تحمل اسمه. وقد سمّاه بعض الأمريكيين "جورج واشنطن العرب"، فيما أُطلق اسمه في بلجيكا (1860) على صنف من الورد، وكذا على ثمار الفراولة؛ بسبب رقّته، وحبّه للجمال والطبيعة، فضلًا عن تسمية الخيول باسمه في بريطانيا؛ لأنّه كان الفارس المغوار، إضافة إلى أغراض أخرى، منها العكاز، وربطة العنق، وأطباق الملوك وغيرها. ونتيجة هذه السمعة أرادت فرنسا تجريمه للتخلّص منه، لكنّه بقي حيًّا في ذاكرة العالم رغم صعوبة تصنيفه وتعريفه، علمًا أنّ البعض صنّفه بـ "الإنسان الكامل" الذي لا يشبهه أحد.

وتناول الدكتور بوغوفالة في مداخلته موضوع "الأمير وبناء الدولة.. تجربة مبكرة في العالمين العربي والإسلامي"، مستعرضًا هذا التاريخ منذ انهيار الحكم العثماني في الجزائر، ودخول الأمير المقاومة، وتأسيسه الدولة العصرية التي تُعرف في أيامنا بدولة المؤسسات. أما الدكتور عبد الوهاب بلغراس فتوقّف عند حقوق الإنسان التي أرساها الأمير قبل المواثيق الدولية الحالية. كما تجاوز مفهوم العصبية القبلية. وظلّ ملتزمًا بالبعد الروحي العرفاني، فكان الرجل المتعدّد الذي يجمع بين المقاومة المسلّحة، والسياسة، والأدب والشعر، والفلسفة، والتنظيم الإداري وغيرها.

ومن جانبه، تناول الدكتور موسى عصام من جامعة المدية، بعضًا من مقوّمات الأصالة والتجديد في دولة الأمير التي كانت امتدادًا للدولة الجزائرية عبر العصور، ومنها العصر الوسيط (الحماديون والزيانيون)؛ إذ استثمر في هذه التراكمية الوطنية. كما انطلق من الفكر الخلدوني في نظم الدولة ابتداءً من الخلافة، والأقاليم، والبيعة، وأهل الحل والعقد وغيرها. ثم ركّز على البيعة الأولى والثانية وارتباطهما بالسنّة النبوية، ثم بالتراث الصوفي، مع تفرّد الأمير والتزامه بخلوته للتعبّد، وللاستزادة من الجانب الروحي الداعم. وعن الزمالة قال المتحدث إنّها جاءت بعد درس أدركه الأمير عندما رأى عاصمة الجزائر تنهار أمام الغزو، فأراد لعاصمته أن تتنقل حتى لا تسقط.

وعلى هامش الندوة، تحدّث البروفيسور أحمد بويردن عن جوانب أخرى من حياة الأمير، منها تعامله مع التصوير الفوتوغرافي؛ إذ كان واعيًا بأهمية الصورة عكس أبناء جيله في القرن الـ19. وكان يراها مرآة نفسه، ووسيلة لتفنيد تشويه صورته من الأعداء. وذكر أنّ هناك 60 بورتريه أُنجزت له، تختلف أحيانًا في لون العينين مثلًا، في حين أُنجزت له صورة في "أمبواز"، يبدو فيها بدينًا نوعًا ما، وهذا مقصود، ومزوَّر من المستعمر؛ ليُظهر مدى الاهتمام به، في حين أنّ الأمير فقد وزنه خلال الأسر.