"من غرناطة إلى مزغنة"
سهرة تعيد وهج الموسيقى الأندلسية بالمسرح الوطني
- 595
د.مالك
احتضن المسرح الوطني الجزائري "محيي الدين بشطارزي" سهرة فنية بعنوان "من غرناطة إلى مزغنة"، أحياها الفنان سيد علي إدريس، ضمن البرنامج الرمضاني الذي دأب المسرح على تنظيمه خلال هذا الشهر، في عرض موسيقي استعاد مسار الموسيقى الأندلسية، وانتقالها التاريخي من الأندلس إلى الجزائر، مع إبراز خصوصية المدارس الجزائرية التي حافظت على هذا التراث العريق.
هذا المشروع الفني ثمرة تعاون بين المطرب سيد علي إدريس والشاعر ياسين أوعابد الذي شارك في صياغة فكرته، حيث استند العرض إلى قراءة فنية وتاريخية لحركة الموسيقى الجزائرية الكلاسيكية منذ جذورها الأندلسية، وصولا إلى استقرارها وتطوّرها في الجزائر.
وأوضح أوعابد أنّ الجزائر تُعدّ البلد الوحيد الذي حافظ على المدارس الأندلسية الثلاث الكبرى، وهي الغرناطي، والصنعة، والمالوف؛ ما يجعلها فضاء غنيا بتنوّع المقامات والأنماط الموسيقية المتوارَثة عبر القرون. السهرة التي قادها موسيقيا العازف محمود فخارجي افتُتحت بتوشية "زيدان"، لتتواصل بعدها فصول البرنامج بدرج زيدان، وانقلاب زيدان، ومخيلص، حيث قدّم الفنان سيد علي إدريس قصيدة "يا رشا" بأسلوب طربي، أعاد الجمهور إلى أجواء النوبة الأندلسية الأصيلة. وتبع ذلك أداء أغنية "شدوا غزالكم"، قبل أن تُختتم هذه الوصلة بقطعة "يا ناس جرت لي الغرايب"، التي تفاعل معها الحضور بشكل لافت.
وفي الوصلة الثانية، انتقل البرنامج إلى ألوان أخرى متفرّعة من التراث الأندلسي، حيث قدّم الفنان نفحات من طبع الحوزي. وهو نمط موسيقي يتميّز بلغته الشعرية البسيطة والسلسة مقارنة بالقصائد الأندلسية الكلاسيكية رغم أنّه يندرج ضمن نفس المنبع الفني. كما قدّم طبع العروبي، الذي يعكس امتزاج التراث الأندلسي بالوجدان الشعبي الجزائري. وتواصلت السهرة بأداء قصيدة "يا صاحب الغمامة" للشاعر لخضر بن خلوف، قبل أن يفسح الفنان سيد علي إدريس المجال للمطربة الشابة إنصاف عبد الباقي. وهي من الأصوات الواعدة المنتمية إلى جمعية "الجنادية" بمدينة بوفاريك في ولاية البليدة، والتي اعتلت الخشبة لتقدّم، بدورها، مقطوعات من هذا التراث، في تجربة أظهرت حضور جيل جديد، يسعى إلى حمل مشعل الموسيقى الأندلسية، والمحافظة عليها.
وشكّلت هذه السهرة الموسيقية رحلة فنية عبر الزمن، جمعت بين الأصالة والتجديد. واستحضرت مسار انتقال الموسيقى الأندلسية من غرناطة إلى مزغنة، مؤكّدة في الوقت نفسه مكانة الجزائر كحاضنة أساسية لهذا التراث الموسيقي، الذي ظلّ حيّا بفضل جهود الفنانين والجمعيات الثقافية عبر مختلف الأجيال.