صالون الكتاب يستحضر غسان كنفاني
سردية المقاومة.. من أفق الأدب إلى حتمية التحرّر
- 232
آية توازي
احتضنت قاعة "الطاهر وطار"، أوّل أمس، ندوة بعنوان "غسان كنفاني.. سردية المقاومة والنضال"، جمعت نخبة من الأقلام والوجوه الثقافية العربية لمناقشة الإرث الأدبي الخالد للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني، واستنطاق أبعاد تجربته الإبداعية، التي ظل قلمها حاضرا في الذاكرة الأدبية والنضالية رغم رحيله المبكر. استهل الناقد الأدبي الأردني فخري صالح الندوة بالحديث عن تجربة كاتب فلسطيني استثنائي ومتعدّد المواهب لم يعش سوى 36 عاما، لكنّه ترك إنجازات أدبية ونقدية هائلة في مجالات الرواية، والقصة، والمسرح، والدراسات النقدية والأدبية. ويتعلق الأمر بغسان كنفاني.
وفي هذا السياق أشار إلى أنّ كنفاني كان من أوائل الذين كتبوا عن أدب المقاومة الفلسطينية، مستشهدا بكتابه "أدب المقاومة في فلسطين المحتلة 1948 - 1966". كما كان من أوائل من سلطوا الضوء على الفكر والأدب الصهيونيين، معتبرا أن "الصهيونية الأدبية سبقت الصهيونية السياسية" التي تعود بداياتها إلى منتصف القرن التاسع عشر في بريطانيا، على يد كتّاب من بينهم جورج إليوت، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق بنيامين دزرائيلي. من جهة أخرى، يرى صالح أنّ غسان كنفاني كاتب تتجذّر أهميته باستمرار بالنظر إلى كونه مثقفا عضويا، استطاع الجمع بين انتماءاته السياسية الفاعلة وعضويته في حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وظل في الوقت نفسه، قريبا من نبض الناس، وهموم الطبقات الفقيرة والمهمشة.
ورغم رحيله الجسدي المبكر لاتزال أعمال كنفاني الروائية والقصصية تلهم الكتّاب الفلسطينيين والعرب، وتدفعهم إلى طرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالهوية الفلسطينية، وعلاقة الفلسطيني بأرضه، والإحساس بالذنب، وجوهر الانتماء إلى القضية التي لا تقتصر على الدم والتراب، بل تتجاوزهما إلى مفهوم "قضية الوجود والتحرر". في السياق نفسه، شبّه صالح كنفاني بكبار الروائيين، مؤكدا خلوده الأدبي، واستمرار حضوره بين الأجيال. وقال في هذا الصدد: “غسان كنفاني معاصرنا، مازال يعيش بيننا. وأدبه حيّ، يُقرأ بالطريقة نفسها. ويلهمنا في كل لحظة، وفي كل مأساة تصيبنا كفلسطينيين".
من جهته، قدّم المحلّل السياسي والكاتب رائد ناجي، قراءة معمّقة ومترابطة للقضية الفلسطينية وأدب المقاومة، مستهلا مداخلته بالتعبير عن اعتزازه بتكريم غسان كنفاني في ثلاث محطات بالجزائر؛ أولها التقاء حرف الأحرار في بلد الثوار. وثانيها الاحتفاء به ضمن فعاليات هذه الطبعة من الصالون سنة 2026. وثالثها المفارقة المتمثلة في تكريم أديب راحل؛ حيث يلتقي الكاتب الطاهر وطار بغسان كنفاني في تكريم روحي وثقافي متجدد، وهما اللذان رحلا عن عالمنا، لكن حضورهما الإبداعي ظل قائما.
وأكد ناجي أنّ كنفاني جعل من الأدب وثيقة، وروحا، وقضية، رابطا بين الإنتاج الأدبي الصهيوني المبكر وتأسيس الفكر الاستعماري، ليؤكد أن المشروع الصهيوني لا يمكن أن يحضر في التاريخ إلا من خلال مشروع أدبي وفكري موازٍ له ومكافئ في القوة، والتأثير. وركّز على أنّ القضية الفلسطينية ترتبط بالإنسان، وبأزمة تفكيكه وإعادة بنائه، وهو ما يتجلى في رواية "عائد إلى حيفا"؛ حيث لا يتعلّق الأمر بالتراب وحده، وإنما بإعادة بناء الإنسان المقاوم، القادر على الصمود، وإنتاج المقاومة من جديد. كما طرح ناجي فكرة "تأنيث اللغة" و"تأنيث الثورة"، مستشهدا بنصوص شعرية وأدبية لمفدي زكريا ونزار قباني وغيرهما، موضحا أن قوة الثورة تُستمد من قوة لغتها، وفخامتها، وأن تفكيك اللغة وتأنيثها يعنيان إفقاد الفكر المقاوم عمقه ما لم تتم استعادة اللغة القوية والفخمة والجريئة.
وفي ختام مداخلته شدد ناجي على أن الرهانات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي تسقط أمام صمود الشعوب، تؤكد أن الهزيمة النفسية هي الهزيمة الكبرى، مشيرا إلى أن الأدب يظل الحصن المتبقي لحراسة الهوية الإنسانية والوطنية الفلسطينية، ومواصلة التمسك بها إلى غاية تحقيق النصر. واختُتمت الندوة بتفاعل واسع من الحضور والنقاد، الذين شددوا على ضرورة العودة إلى النصوص التأسيسية لأدب المقاومة، والنظر إلى الأدب الفلسطيني باعتباره نافذة أمل لا تخبو، وسلاحا فكريا وثقافيا يوازي في أهميته مختلف أشكال النضال الأخرى في مواجهة الاحتلال.