حضور يتوزع بين الرواية والتاريخ وأدب الفتيان
ستة أسماء جزائرية في القوائم القصيرة لجائزة " كتارا"
- 324
دليلة مالك
تسجّل الجزائر في الدورة الثانية عشرة من جائزة كتارا للرواية العربية، حضورا لافتا بعدما نجحت ستة أعمال جزائرية في بلوغ القوائم القصيرة التي أعلنتها المؤسسة العامة للحي الثقافي "كتارا" أول أمس. ويتوزع هذا الحضور على أربع فئات من الجائزة: الروايات المنشورة، والروايات غير المنشورة، وروايات الفتيان غير المنشورة، والروايات التاريخية غير المنشورة. ويكتسب هذا الحضور أهميته من ضخامة المنافسة التي شهدتها دورة 2026، إذ استقبلت الجائزة 2610 مشاركة. وهو أعلى رقم منذ إطلاقها عام 2014. وبعد الانتقال من قوائم 18 إلى القوائم القصيرة، بقيت ستة أعمال جزائرية بين الأعمال التي تواصل المنافسة على الجوائز النهائية.
"مزامير التجاني".. الجزائر في واجهة الرواية المنشورة
في فئة الروايات المنشورة تمثل الجزائرَ روايةُ "مزامير التجاني" للروائي محمد فتيلينة الصادرة عن دار رامينا. وقد جاءت الرواية ضمن قائمة قصيرة تضم تسعة أعمال، إلى جانب روايات لكتّاب من الأردن، ومصر، والسودان، وسورية والسعودية. وتأهلت "مزامير التجاني" إلى القائمة القصيرة بعدما كانت ضمن قائمتها الطويلة التي ضمت في فئة الروايات المنشورة، 18 عملاً، من بينها أيضاً رواية جزائرية ثانية هي "بين الرماد والحلم" لجميلة دراجي، قبل أن تتوقف رحلة الأخيرة عند القائمة الطويلة.
وتنطلق "مزامير التجاني" من فضاء إفريقي بعيد عن الجغرافيا الجزائرية المباشرة، إذ تدور أحداثها في قرية بالسنغال، حيث تتقاطع ثيمات الفقر والجفاف والهجرة مع الروابط الروحية، وعلاقة الفرد بالسلطة. وهكذا يحمل النص في وصوله إلى القائمة القصيرة، صوتا جزائريا، ينفتح سرديا على إفريقيا. ويجعل من الهجرة والجفاف والتحولات الاجتماعية مادة لتأمل أوسع في الإنسان ومصيره.
"قد نلتقي".. رواية جزائرية من الأدراج إلى الضوء
أما في فئة الروايات غير المنشورة فتحضر الكاتبة الجزائرية سارة سلتي برواية "قد نلتقي". وهي واحدة من روايتين جزائريتين وصلتا إلى القائمة الطويلة لهذه الفئة، إلى جانب "وجهي الغريب" لوئام شرماطي. غير أن "قد نلتقي" وحدها واصلت الطريق إلى قائمة الـ9. وتتميز المشاركة في هذه الفئة بدلالة خاصة، لأن الجائزة تتيح للنصوص التي لم تجد طريقها بعد إلى النشر، أن تدخل المنافسة على مستوى عربي واسع، وبذلك لا تقتصر قيمة الوصول إلى القائمة القصيرة على الاعتراف بنص بعينه، بل تمنح العمل فرصة للخروج من فضاء المخطوط إلى دائرة القراءة، والتداول، والاهتمام النقدي.
أدب الفتيان.. ثلاثة أسماء جزائرية في قائمة واحدة
أبرز مظاهر الحضور الجزائري في دورة هذا العام، يظهر في فئة روايات الفتيان غير المنشورة، حيث حجزت الجزائر ثلاثة مقاعد من أصل تسعة، لتكون إلى جانب مصر، صاحبة الحضور الأبرز في هذه الفئة. ويتمثل الحضور الجزائري في جلول رفيق عن رواية "أجنحة تكسر الظلام"، وخديجة تلي عن رواية "خياط طولقة"، ومحمد دادي عدون عن رواية "شهرزاد في بلاد الوقواق".
ويكشف هذا الحضور الثلاثي عن استمرار الاهتمام الجزائري بالكتابة الموجهة إلى اليافعين. وهي مساحة أدبية ظلت أقل حضوراً من الرواية الموجهة إلى الكبار قبل أن تمنحها الجوائز العربية الكبرى مساحة متزايدة. وتحمل "أجنحة تكسر الظلام" مثالاً واضحاً على هذا التوجه؛ فهي رواية تستعيد التاريخ النضالي الجزائري من خلال شخصية فتى في الخامس عشرة، يعيش صراعاً بين اهتماماته الشخصية واكتشافه لتاريخ والده الذي استشهد في مجازر 8 ماي 1945، قبل أن يتحول اكتشافه للتاريخ إلى وعي وطني، وانخراط في مسار الثورة التحريرية.
وكان رفيق جلول أوضح أن الرواية هي أول تجربة له في الكتابة لفئة الفتيان، وأن الوصول إلى قائمة كتارا لم يكن متوقعاً بالنسبة له. أما "خياط طولقة" لخديجة تلي، فتأتي من تجربة كاتبة لها حضور في أدب الأطفال والفتيان، فيما تنتمي "شهرزاد في بلاد الوقواق" لمحمد دادي عدون، إلى المجموعة نفسها من النصوص الجزائرية، التي نجحت في تجاوز القائمة الطويلة، والوصول إلى المرحلة النهائية. وكانت القائمة الطويلة ضمت ست روايات جزائرية في هذه الفئة؛ ما يجعل تصفية المنافسة إلى ثلاثة أعمال، إنجازاً لافتاً.
"حين تكلم الناجي ما بين الضفتين".. التاريخ الجزائري في القائمة النهائية
وفي فئة الروايات التاريخية غير المنشورة تصل الجزائر إلى القائمة القصيرة عبر الكاتب بشير توهامي وروايته "حين تكلم الناجي ما بين الضفتين". وكانت الجزائر دخلت هذه الفئة في القائمة الطويلة بأربعة أعمال، قبل أن تستقر المشاركة الجزائرية في القائمة القصيرة على رواية توهامي وحدها. وتستند الرواية إلى شخصية تاريخية حقيقية هي سليم الجزائري، التي عثر عليها الكاتب في مصدرين كنسيين من القرن التاسع عشر، ليعيد بناء حضورها من خلال الخيال الروائي. ووفق توهامي، لا تسعى الرواية إلى إعادة كتابة التاريخ بقدر ما تحاول مساءلته، وتحويل مادته الوثائقية إلى تجربة سردية. ويمنح وصول هذا العمل إلى القائمة القصيرة، حضوراً آخر للجزائر، هذه المرة من بوابة الرواية التاريخية، وهي الفئة التي استحدثتها الجائزة في شكلها الحالي ضمن مسار تطوير فروعها.
من 15 عملاً إلى ستة
وتبدو المسافة التي قطعتها الأعمال الجزائرية هذا العام واضحة إذا ما قورنت بين القائمتين. ففي مرحلة قائمة الـ18، وصل 15 عملاً جزائرياً إلى مختلف فئات الجائزة، توزعت بين الروايات المنشورة، وغير المنشورة، وروايات الفتيان، والروايات التاريخية، والدراسات النقدية. وشملت القائمة الطويلة أيضاً أربعة أعمال تاريخية، وستة أعمال في فئة الفتيان، إضافة إلى عمل في الدراسات النقدية.
أما القائمة القصيرة فقد اختزلت هذا الحضور إلى ستة أعمال فقط، لكنها احتفظت بتنوعه: رواية منشورة، ورواية غير منشورة، وثلاث روايات للفتيان، ورواية تاريخية. وفي المقابل، لم يواصل العمل الجزائري في الدراسات النقدية الذي كان يمثله عاشور توامة بدراسة عن جماليات المكان وتجليات الذاكرة في رواية "ذاكرة الجسد" لأحلام مستغانمي، إلى القائمة القصيرة.
وهذا التوزيع مهم في قراءة الحضور الجزائري؛ فالأمر لا يتعلق بتمثيل عددي فقط، وإنما بتعدد أشكال الكتابة التي وصلت إلى المرحلة النهائية. فالجزائر حاضرة في الرواية المنشورة عبر "مزامير التجاني"، وفي المخطوط الروائي عبر "قد نلتقي"، وفي أدب الفتيان بثلاثة أعمال، وفي الرواية التاريخية عبر "حين تكلم الناجي ما بين الضفتين".