استنفار لاحتواء تداعياته

زلزال "نازا" يواصل ارتداداته داخل إسرائيل

زلزال "نازا" يواصل ارتداداته داخل إسرائيل
  • 167
م. ص م. ص

يواصل الفيلم الوثائقي الإسرائيلي "نازا" إحداث ارتدادات واسعة داخل إسرائيل وخارجها، عقب الزلزال السياسي والإعلامي الذي فجّره العمل السينمائي الحائز على إحدى جوائز مهرجان البندقية السينمائي الدولي في ظلّ ما يتضمّنه من شهادات لضباط وجنود إسرائيليين حول آليات استهداف المدنيين خلال حرب الإبادة على قطاع غزة.

مع تصاعد أصداء الفيلم عقب فوزه بالجائزة الخاصة للجنة التحكيم في مهرجان البندقية يوم السبت، واستقباله بتصفيق استمر 25 دقيقة خلال عرضه الأول، جيّشت إسرائيل مختلف مؤسساتها السياسية والعسكرية والدبلوماسية لمواجهة تداعياته، بدءا من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزارات الخارجية والدفاع والداخلية والثقافة، وصولا إلى البعثات الدبلوماسية في الخارج.

ونقلت صحيفة "يسرائيل هيوم" أنّ غضبا شديدا يسود الأوساط الإسرائيلية على خلفية الفيلم، مع حديث عن نية تنظيم تظاهرات أمام منزل عائلة أحد مخرجيه في منطقة النقب. الفيلم الذي أخرجه الصحفيان الإسرائيليان يوفال أبراهام وراشيل تسور، يستمد اسمه من مصطلح عسكري متداول داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية يشير إلى الخسائر الجانبية المتوقّعة، ويستند إلى مقابلات مع ضباط استخبارات وجنود شاركوا في الحرب، قدموا روايات عن آليات اختيار الأهداف وتقدير أعداد المدنيين المتوقع سقوطهم قبل تنفيذ الضربات.

وفي أحدث الردود، وقع مئات من جنود الاحتياط في وحدة الاستخبارات العسكرية "8200" عريضة تطالب قيادة الوحدة بالتحقق مما إذا كان بين المشاركين في الفيلم عناصر ينتمون إليها، داعين إلى محاسبة أي شخص يثبت تورطه فيما وصفوه بالإساءة إلى الوحدة وقيمها. وقالت صحيفة "يسرائيل هيوم" إنّ عدد الموقعين على العريضة يواصل الارتفاع بصورة متسارعة، ونقلت عن أحد ضباط الاحتياط المشاركين فيها زعمه بأن كل من خدم في الوحدة يعلم تماما أن المزاعم الواردة في الفيلم عارية كليا عن الصحة.

وبالتوازي مع ذلك، يدرس قانونيون من خريجي الوحدة إمكانية رفع دعاوى قضائية ضد صناع الفيلم بتهمة التشهير، رغم تقديرات قانونية تشير إلى أن فرص نجاح مثل هذه الدعاوى تبدو محدودة لكونها تندرج ضمن إطار الدعاوى الجماعية. والوحدة 8200 هي إحدى وحدات مديرية الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية وأكبرها، وقد تأسست في منتصف القرن الـ20، وتهدف إلى التنصّت وفكّ التشفير بهدف إيصال المعلومات والتحذيرات للقيادة المركزية وهيئة الأركان. وعلى الرغم من كافة التقنيات التي تستخدمها الوحدة، فإنها فشلت في التنبؤ بعملية طوفان الأقصى.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اعتبر أن الفيلم يأتي ضمن ما وصفه بموجة عالمية من التحريض ضدّ اليهود، وقال في تسجيل مصوّر نشره عبر تطبيق تليغرام، إن إسرائيل تخوض مواجهة ضد ما وصفه بالتحريض العالمي المعادي للسامية. وأضاف نتنياهو -المطلوب للجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة- أن الأمر يصبح غير محتمل عندما يصدر من الداخل الإسرائيلي نفسه. وأضاف "الآن يحظى مخرجان إسرائيليان يصوران جيش الدفاع الإسرائيلي على أنه مجرم حرب بالتصفيق في مهرجان البندقية". وقد ارتفع مستوى القلق الرسمي من تأثير الفيلم، إذ كشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن وزارة الخارجية الإسرائيلية عممت على سفاراتها وبعثاتها في أنحاء العالم وثيقة إرشادية تحدد آليات التعامل مع الفيلم والردّ على تداعياته الإعلامية والسياسية.

ووفق الصحيفة، يجري تنفيذ حملة إعلامية واسعة بمشاركة هيئة الإعلام الوطنية والمتحدث العسكري وعدد من الوزارات الحكومية، بينما تركز الوثيقة الدبلوماسية على تأكيد أن الفيلم يقلب الحقيقة رأسا على عقب، وأنه عمل خيالي يُستخدم، حسب الرواية الإسرائيلية، غطاء للدعاية التابعة لحركة المقاومة الإسلامية (حماس). كما طلبت الخارجية من بعثاتها الدبلوماسية التركيز على نفي الاتهامات المتعلقة بوقوع إبادة جماعية في غزة، والتشديد على أن حماس تعمل وسط المناطق المدنية وتستخدم المدنيين دروعا بشرية وتسعى لاستثمار الضحايا في حملاتها الدعائية.

وكان رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، قد وصف الفيلم بأنه هجوم على إسرائيل يستند إلى افتراءات دموية وتشويه متعمد للواقع واتهامات خطيرة وكاذبة ضد جنود الجيش وقادته. وأعلن الجيش أن زامير وجّه المدعي العام العسكري إلى دراسة الإجراءات القانونية الممكنة بحق الفيلم والأشخاص المشاركين فيه، كما أمر بفحص شبهات تسريب مواد ووثائق ومعلومات مصنفة سرية يُعتقد أنها استخدمت في إنتاجه.

يعتمد الفيلم على شهادات 24 عسكريا وضابط استخبارات إسرائيليا يقدمون روايات عما يقولون إنهم شاركوا في تنفيذه خلال حرب الإبادة على قطاع غزة، التي راح ضحيتها أكثر من 73 ألف شهيد، أكثر من نصفهم من الأطفال والنساء والمسنين، بالإضافة إلى إصابة أكثر من 174 ألف شخص، ودمار هائل أصاب نحو 90% من البنية التحتية لقطاع غزة.

وحسب الفيلم، كانت عمليات الاستهداف تمر بسلسلة إجراءات تبدأ بتحديد الهدف ومراقبة هاتفه وتحديد موقعه، ثم احتساب عدد المدنيين المتوقع وجودهم في محيطه قبل رفع قرار الضربة للموافقة. ومن هنا جاءت تسمية "نازا"، وهو اختصار من العبرية معناه "ضرر جانبي"، ويقول صناع الفيلم إنه يُستخدم داخل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية للإشارة إلى عدد المدنيين المتوقع سقوطهم جراء الهجوم.

واستغرق إعداد الفيلم ثلاث سنوات، وأُجريت مقابلاته سرا على أسطح مبان في تل أبيب، وأُخفيت هويات المشاركين وعُدلت صورهم وأصواتهم لحمايتهم. ويقول منتجو الفيلم إن الشهادات خضعت لعملية تحقق صحفية استمرت سنوات، وإن جانبا من المعلومات الواردة فيه سبق أن ظهر في تحقيقات صحفية منشورة. وتورد إحدى الشهادات أن الموافقة مُنحت لتنفيذ ضربة لأحد عناصر حركة حماس رغم توقع مقتل نحو 500 مدني.