"نحن صامدون"..
رسالة الجناح الصحراوي من قلب صالون الجزائر
- 323
آية توازي
يشهد الصالون الدولي للكتاب في طبعته 29، مشاركة متميزة لجناح وزارة الثقافة الصحراوية، الذي بات يشكّل إحدى أهم المحطات التي تستقطب اهتمام الجمهور والباحثين. وفي هذا الإطار، أوضحت سمية عبد الله، ممثلة الجناح أنّ المشاركة المتواصلة للجناح أثمرت بناء شراكات وعلاقات وثيقة مع دور النشر الجزائرية، ما مهّد الطريق لصدور العديد من الكتب والإصدارات الجديدة، لا سيما خلال هذا العام.
أوضحت عبد اللّه أنّ إصدارات هذا العام تميّزت بكونها لم تقتصر على الصحراويين المقيمين في المخيمات أو في الجزائر وإسبانيا، بل امتدّت لتشمل إصدارات توثّق لمعاناة المعتقلين السياسيين السابقين في السجون المغربية. وتضم هذه الإصدارات شهادات حية تدوّن تفاصيل الظلم والتعذيب والقمع، ما جعل "أدب السجون" العنوان الأبرز والأكثر حضورًا وطلبًا خلال هذه الدورة.
وإلى جانب "أدب السجون"، حظيت العناوين المتعلّقة بالثقافة الشعبية باهتمام واسع، إضافة إلى الكتب التاريخية والتأصيلية، وتلك التي تسلّط الضوء على موقف الحكومات الأمريكية من الملف الصحراوي، على غرار مؤلّفات الباحث حمضي حدي، وهو ما يترجم تنوّع الاهتمامات الفكرية لدى القرّاء. وأشارت المتحدّثة إلى أنّ انعقاد المعرض هذا العام تزامن مع مداولات مجلس الأمن حول القضية الصحراوية، وهو ما خلق اهتمامًا بالغًا ولافتًا من قِبل الشارع الجزائري بمختلف فئاته، من مثقفين وعامة الشعب ورجال الصحافة والإعلام.
وقد تنوّعت زيارات الجمهور للجناح بين تقديم الدعم والمساندة وتأكيد وقوف الشعب والحكومة الجزائريين إلى جانب القضية الصحراوية، إضافة إلى الاستفسار عن حيثيات القرارات وتداعياتها المستقبلية. كما بحث الطلبة والباحثون في مجالات الحقوق والقانون والعلوم السياسية وعلم الاجتماع عن مصادر وكتب تخدم بحوثهم الدراسية.
وأشارت عبد الله إلى أنّ هذا الإقبال المتزايد يدلّ على حرص المواطن الجزائري على المرور بالجناح وتأدية واجبه المعرفي تجاه القضية. وأكّدت أنّ الجبهة الثقافية واسعة ومتنوّعة يرتادها روّاد كثر مقارنة بالجبهات الأخرى، ويبقى الكتاب الصحراوي أداة محورية لإيصال الرسالة وشرح القضية والتأثير في الأجيال المتعاقبة، التي لا تقرأ بالضرورة وسائل الإعلام التقليدية وحدها. فالكتاب يسافر ليخاطب أزمنة ودولًا مختلفة، معوّضًا بذلك أيّ نقص مادي. وختمت بالتأكيد على أنّ الرسالة الأساسية لجناحها هي التعريف بالتاريخ الصحراوي ونضاله المستمر، موجّهة رسالة واضحة مفادها “نحن صامدون، وفي جاهزية تامة للحرية والتحرير، ولن نسكت عن حقنا”.
وتجسيدًا لهذا الدور المحوري للكتاب في حفظ الذاكرة ونقل المعاناة، يتجلى الحضور الصحراوي في المعرض من خلال أصوات إعلامية وبحثية بارزة. فقد كشف الكاتب والإعلامي الصحراوي محمد فاضل الهيط، في حوار خصّ به "المساء"، عن مشاركته في المعرض بإصدارين جديدين. ويحمل الإصدار الأوّل عنوان "أوراق في نزاع لم يُحسم”، وهو مجموعة من المقالات التحليلية والاستشرافية التي نُشرت سابقًا في الصحافة الدولية والجزائرية، وتتناول القضية الصحراوية من زوايا ورؤى متعدّدة عبر محطات زمنية مختلفة. أما الإصدار الثاني فيمثّل الطبعة الثانية لكتابه “سلاح الراديو في استراتيجية البوليساريو”، الذي يوثّق من خلاله تجربته الذاتية المعيشة طيلة 20 عامًا داخل هذه المؤسّسة الإعلامية، في ظروف قاسية عنوانها الحرب واللجوء والتنقل.
ويُعدّ هذا العمل الأخير مرجعًا هامًّا للطلبة والباحثين في الحقل الصحفي، إذ يُقدّم خلاصة تجربة ميدانية لحركة تحرّر خاضت كفاحًا مسلّحًا، مستعرضًا الاستراتيجيات السياسية والثقافية والإعلامية الرامية إلى تثبيت الهوية الوطنية والشخصية الصحراوية، والحفاظ على الذاكرة الجماعية للوطن حتى لا تُستأصل من الوجدان رغم التهجير.
وفي هذا الصدد، شدّد الهيط على أنّ الكتاب يقدّم فائدة بالغة للباحثين والإعلاميين، لكونه يكشف خبايا استراتيجية لا يعرفها إلاّ من خاض العمل الميداني في ظروف اللجوء وحرب التحرير. وفي ختام حديثه لـ"المساء"، أكّد الهيط أنّ الكلمة تحمل أبعادًا وغايات أعمق، فإذا طُرد الشعب الصحراوي من أرضه جغرافيًّا، فإنّ الإعلام والثقافة يسعيان إلى ألّا تُطرد "الذاكرة الصحراوية" هي الأخرى، بل تظلّ حيّة وراسخة في وجدان الوطن، حاشدةً الأجيال حتى تحقيق النصر والعودة.