في السهرة الرابعة من مهرجان السيمفونية الدولي

رحلة موسيقية بين الجمال الألماني والتاريخ التشيكي

رحلة موسيقية بين الجمال الألماني والتاريخ التشيكي
  • 177
د. مالك د. مالك

ضمن فعاليات المهرجان الدولي الـ15 للموسيقى السيمفونية، كان جمهور دار الأوبرا “بوعلام بسايح” على موعد مع لحظات موسيقية استثنائية، حيث استمتعوا بعروض فنية متنوّعة أضاءت سماء العاصمة الجزائرية. وامتدّت من أروقة أوروبا الشرقية إلى سحر الألحان الألمانية. وكانت السهرتان التشيكية والألمانية محطتين فنيتين بارزتين، جسّدتا التنوّع الثقافي والموسيقي في المهرجان.

افتُتحت الأمسية الثانية من المهرجان مع "الفيلهارمونية لجنوب بوهيميا" من التشيك، بقيادة المايسترو يان تاليخ، والتي قدّمت برنامجًا موسيقيًا، تنوّع بين التراث التشيكي الأصيل والموسيقى الأوروبية الكلاسيكية، حيث كان الحضور على موعد مع رحلة فنية متميّزة، جمعت بين الفولكلور الأوروبي والأثر العميق للموسيقى الرومانسية. واستُهل البرنامج بمختارات من "الرقصات الهنغارية" للمؤلف الألماني يوهانس برامس (الأرقام 5 و6 و11). وهو عمل مستوحى من الفولكلور المجري. 

ورغم أنّ هذه القطع تستلهم موسيقى وسط أوروبا، فقد أضاف الأداء التشيكي لمسة خاصة، حيث تمت صياغتها، لتُؤدَّى بواسطة آلة الوتريات، مع حضور بارز للكمان المنفرد. وجاءت إيقاعات الرقصات الحيوية والتغيرات الديناميكية لتمنح جمهور الجزائر تجربة استماع مثيرة، مفعمة بالتقلبات الإيقاعية، والتعبير العاطفي؛ ما أتاح للعازفين فرصة إبراز مهاراتهم التقنية والفنية.

وبعد ذلك انتقلت الأوركسترا إلى عالم الأوبرا الإيطالية، حيث قدّمت افتتاحية “إيطالية في الجزائر” لجواكينو روسيني. وهي قطعة موسيقية تعكس خفّة أسلوب روسيني، وروحه المرحة. وفي هذا السياق، اكتسبت هذه القطعة بعدًا رمزيًا خاصًا؛ بكونها تُعرض في الجزائر، حيث عزّزت الأوركسترا التنقّل بين الانضباط الكلاسيكي والحيوية المسرحية المميّزة لروسيني.

وفي الجزء الثالث من الحفل، نقلت الأوركسترا الجمهور إلى عمق التراث الموسيقي التشيكي؛ من خلال أداء "الأغاني الغجرية" للمؤلّف أنتونين دفورجاك. وتمّيز هذا الجزء بجوّ من الحنين والشغف، تجسَّد فيه المزج بين الحسّ الشعبي التشيكي والكتابة الرومانسية. وقد أبرزت المغنية ماري كوبتشكا فيرهوفن، بصوتها العذب، جمال هذا العمل الكلاسيكي. واختُتمت الأمسية بأداء "السويتة التشيكية" لأنطونين دفورجاك، حيث قدّمت الأوركسترا حركات موسيقية تمزج بين الرقصات والألحان الشعبية التشيكية، مع الحفاظ على الدقة التقنية، والدفء التعبيري، ما أتاح للجمهور تجربة موسيقية كاملة، تعكس تنوع المدرسة التشيكية، وثراءها.

وفي الوصلة الثانية، قدّم الثنائي الألماني المتميّز عازف البيانو بيتر كرويتس ومغنية الميزو-سوبرانو، أولريكه ماير، عرضًا موسيقيًا رائعًا، قدّم روائع المدرسة الرومانسية الأوروبية وخصوصية فن "الليدر" الألماني. ويُعدّ "الليدر" من أبرز أشكال الغناء الفني في ألمانيا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وهو فن موسيقي يدمج بين الشعر والموسيقى، حيث تأتي الكلمات لتكمل ما تعجز الألحان عن التعبير عنه. 

وفي هذا العرض المذهل، أثبتت أولريكه ماير براعتها في نقل معاني النصوص بكلّ عمق وتعبير، بينما قدّم بيتر كرويتس عزفًا راقيًا، دعم الأداء الصوتي بكلّ شفافية، ودفء. واستهل الثنائي الأمسية بمقطوعة "Widmung" (إهداء) للمؤلف روبرت شومان، حيث برز التناغم بين الصوت والعزف، متجسدًا في الأداء الحساس والعاطفي. ثم انتقل العرض إلى موسيقى فولفغانغ أماديوس موزارت من خلال أداء "Der Zauberer" و"Als Luise die Briefe"، حيث أظهرت ماير قدرتها على دمج الخفة التعبيرية مع الحضور المسرحي المتميز.

أما القطعة “Mondnacht” (ليلة مقمرة) لشومان، فقد قدّمت لحظات شاعرية، حيث أبدعت ماير في إظهار قدرتها على الانتقال بين الهمسات الرقيقة والانفعالات العاطفية الكبيرة، بينما أضفى كرويتس على العزف جوًا من الرقة، والصفاء. وتضمنت الأمسية أيضًا مختارات من أعمال غوستاف مالر وفرانتس شوبرت، حيث أظهرت ماير براعتها في التعبير عن التناقضات الفنية. وانتقلت بكل سلاسة بين السخرية والتأمل الفلسفي في أعمال مالر، بينما أبدعت في أداء أغاني شوبرت الشهيرة مثل “An Sylvia” و«Der Zwerg”.

واختتم الثنائي الأمسية بأعمال يوهانس برامز وفرانتس ليست، حيث أظهرت ماير مهاراتها في تجسيد التباين التعبيري بين الرومانسية المتوهجة والمهارة التقنية العالية، بينما أضفى بيتر كرويتس لمسة موسيقية غنية وفنية على كل قطعة. وعاشت مدينة قسنطينة أيضا سهرة موسيقية، أوّل أمس، تميّزت بجمالية نادرة، ومستوى فني رفيع، قدّمته أوركسترا قرطاج السمفونية (تونس)، حيث تجاوزت الموسيقى الحدود، لتقدّم للجمهور لحظات مؤثرة، ستظل راسخة في الذاكرة.

واستقطب هذا الحدث الفني الذي احتضنه مسرح قسنطينة الجهوي “محمد الطاهر الفرقاني” في إطار الدورة الـ15 للمهرجان الدولي للموسيقى السمفونية، جمهورًا غفيرًا؛ حيث قدمت الأوركسترا أداءً لافتًا، أضفى على الحدث بعدًا ثقافيًا مرموقًا، نال استحسان عشاق الموسيقى السمفونية. وتميز البرنامج الذي قاده المايسترو حافظ مقني، بتنوّعه واختياراته الدقيقة؛ حيث مزج بين روائع الرصيد الموسيقي الكلاسيكي الأوروبي، ومؤلفات مستوحاة من التراث الموسيقي العربي؛ تكريماً لعمالقة الفن مثل محمد عبد الوهاب، وفريد الأطرش، وبليغ حمدي.

كما أثريت السهرة بمقطوعات جزائرية وتونسية أُعيد توزيعها بأسلوب سمفوني حديث، ما جسّد حوارًا متناغمًا بين الأصالة والابتكار. وكانت اللحظة الأبرز في السهرة هي أداء أغنية “يا قدس.. يا زهرة المدائن” لأيقونة الغناء اللبناني فيروز، وأغنية “لعبة الأيام” لوردة الجزائرية؛ ما أضفى أجواءً عاطفية في القاعة. وتفاعل الجمهور بحرارة مع هذه الإعادات المتقنة، معبرًا عن تعلقه الشديد بهذه الأعمال الخالدة.