فضاء الصغار بـ"سيلا"

رحلة الطفل من اللعب إلى الفكر

رحلة الطفل من اللعب إلى الفكر
  • 53
آية توازي آية توازي

بين أروقة الصالون الدولي للكتاب يبرز "جناح الطفل"؛ باعتباره واحدا من أكثر فضاءات المعرض حيوية، ونبضا. فهو ليس مجرّد مكان لعرض الكتب، بل عتبة تعبر من خلالها الأجيال الصاعدة نحو عوالم المعرفة؛ في تجربة تجمع بين متعة القراءة واللعب التفاعلي والتأصيل القيمي، وفق رؤى تربوية حديثة.

شهد المعرض حضور مجموعة من الكتب القيّمة والتربوية المخصّصة للأطفال، على غرار كتاب “ تعلَّم وامرح باللعب “ الصادر عن دار التربيون للنشر والتوزيع. ويعكس هذا العمل نجاح نقل التجربة الفنلندية الرائدة عالميا في مجال تعليم الأطفال وتعزيز تفاعلهم، إلى البيئة العربية؛ إذ لم تقتصر التجربة على الترجمة الحرفية، بل تجاوزتها إلى تكييف محتوى الأنشطة والأساليب بما يتلاءم مع ثقافة الطفل العربي ودينه وتقاليده؛ الأمر الذي أضفى على الكتاب قيمة استثنائية، وجعله محل إقبال واسع من المربين والمعلمين والأهالي، الساعين إلى تطوير أساليب التنشئة، والابتعاد عن الأنماط التقليدية. 

إصدارات جديدة وأبعاد تربوية هادفة

من جهتها، قدّمت"دار التل" للطباعة والنشر رؤية متكاملة لإصداراتها الموجهة إلى الطفل والمربين. وهي إصدارات للباحث المختص في علوم التربية، الأستاذ عبد القادر لورسي، الذي ينطلق من قناعة راسخة، مفادها أنّ الطفولة تمثّل أساس بناء شخصية المواطن في المستقبل. 

ويراعي الباحث في كتاباته التدرج في مراحل النمو، بدءا من مرحلة الرضاعة وما قبل السنتين الأوليين من عمر الطفل، وصولا إلى سن السادسة، مع الحرص على أن تتوافق الإصدارات مع متطلّبات النموّ والحاجات النفسية للأطفال، وأن تتضمن نصوصا ومحتويات إيجابية، تبعث البهجة، وتغرس الخصائص والقيم السليمة؛ كالذكاء، والخيال. كما تضم هذه الإصدارات عناوين متنوعة تجمع بين الأبعاد اللغوية، والمورفولوجية، والارتباط بالقرآن الكريم. وفي السياق نفسه، يبرز حضور “ دار نشر البشائر “ القادمة من القاهرة، من خلال جناح متميّز يعرض تشكيلة متنوّعة من المنتجات والوسائل التعليمية المخصصّة لتنمية مهارات الأطفال، والاهتمام بمختلف مراحل الطفولة.

وتركّز الدار، على وجه الخصوص، على الفئات العمرية الممتدة من سن الثالثة إلى السابع عشرة، مقدّمة أدوات تسهم في تطوير قدرات الطفل، وتعريفه بالوسائل التعليمية الحديثة التي من شأنها الارتقاء بمستواه الفكري. كما توفّر مجموعة من الكتب المتخصّصة في تعليم الحروف والكلمات، إلى جانب قصص هادفة ومدروسة، تسهم في تنشئة الطفل، وتربيته، ليصبح شابا متميزا ومجتهدا، قادرا على بلوغ أرقى المراحل التعليمية وأفضلها خلال مسيرته العمرية.

وبدورها، توضّح دار "الطفل القارئ" السعودية، أنّ اختيار النصوص والرسومات الموجّهة للأطفال يقوم على معادلة دقيقة، تجمع بين الترفيه والتعليم. ورغم أنّ الأطفال غالبا ما ينجذبون إلى الأغلفة والصور أكثر من انجذابهم إلى المحتوى النصي، فإنّ الدار تحرص على تحقيق التوازن بين اهتمامات المربي وما يجذب الطفل. 

وتتمحور أبرز إصداراتها حول الجانبين الديني والتربوي، في قالب يجمع بين المتعة والفائدة، مثل سلسلة "بها أبدا يا أمي" الخاصة بأسماء الله الحسنى، وسلسلة "سنن الله في الكون"، إضافة إلى قصص الجنة. وقد عرفت هذه الإصدارات إقبالا واسعا من الأطفال وأولياء الأمور منذ المشاركة الأولى للدار.

ورشات تفاعلية تصنع عالم الطفل

لم يقتصر حضور جناح الطفل على عرض الكتب، بل تحوّل إلى فضاء تفاعلي يعجّ بالحركة والحماس، حيث شهدت المسابقات المخصّصة للصغار حول الكتاب والتي تناولت موضوعات تعليمية ممتعة على غرار التعرّف على مكوّنات الكتاب، إقبالا واسعا من الأطفال، في أجواء تفاعلية وتقنية مشوّقة، هدفت إلى تشجيعهم، وتحفيز شغف الاكتشاف لديهم.

وإلى جانب ذلك، خُصّص فضاء للأطفال الصغار، قُدّمت فيه أدوات ودفاتر للتلوين، بهدف غرس القيم الإيجابية في نفوسهم منذ الصغر، فضلا عن ترغيبهم في عالم الألوان والكتب، وتوطيد علاقتهم بما هو مرسوم ومكتوب. وقد لقيت هذه المبادرات والألعاب التعليمية تفاعلا كبيرا من الأطفال، الذين أظهروا طاقات هائلة، وظّفوها في أعمال مفيدة، ونشاطات فنية وتنافسية.

في هذا السياق، عبّر الأولياء عن إعجابهم الكبير وارتياحهم لهذه الأنشطة، مؤكدين رغبتهم الملحّة في إبعاد أبنائهم عن شاشات الأجهزة الإلكترونية والهواتف، وتوجيه طاقاتهم نحو الألعاب التعليمية والمسابقات الثقافية، التي تتيح لهم استثمار قدراتهم في أعمال نافعة، ومثمرة. وبذلك يثبت جناح الطفل في الصالون الدولي للكتاب، سنة بعد أخرى، أنه القلب النابض للمعرض؛ فهو ليس مجرد فضاء لبيع الكتب، بل مرآة تعكس الوعي بأهمية الاستثمار في الطفولة المبكرة، من خلال أدب راقٍ، وبدائل ترفيهية ذكية، وبيئة تحتضن براءة الصغار.